فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 8837 من 90754

[السُّؤَالُ] ـ [ما هي الدروس المستفادة من قصة طالوت وجالوت مع بني إسرائيل من الآية 246 إلى الآية 250 من سورة البقرة؟] ـ

[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فالله سبحانه وتعالى قص علينا قصة طالوت في سورة البقرة من الآية (246-252) لنعتبر بها نحن المسلمين، ونستفيد مما يعرض لنا في حياتنا من مواقف بسبب قيامنا بإقامة الدين في هذه الحياة، ومن هذه الدروس المستفادة من القصة:

أولًا: شعور المؤمنين بأنهم أصحاب دين وعقيدة، وأن أعداءهم أهل ضلالة وكفر.. لذا طلبوا من نبيهم فتح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل الله.

فلابد للمؤمن أن يعتقد أنه على الحق، وأن عدوه على الباطل، ولا بد أن يتجرد في حسه أن هذا التمايز بينه وبين عدوه هو لله وفي الله.

ثانيًا: أن بعض المؤمنين يفور حماسهم للدين في الرخاء، فإذا جاء الصدق والأمر الصارم بالتمسك بالدين، والعمل الجاد للتمكين تولوا إلا قليلًا منهم.

وهذا يدل على أن الجماعة المسلمة التي لم تنضج تربيتها الإيمانية تفاجأ قيادتها بتفلتها من الطاعة، ونكوصها عن التكليف، وتوليها عن الحق البين.

فعلى العاملين للإسلام أن يدركوا أن هذه هي صفة أغلب البشر، فيكونوا منها على حذر، ويعدوا العدة كي لا تفاجئهم، ولم يستعدوا لها.

ثالثًا: بروز سمة من سمات بني إسرائيل، وهي مجادلتهم للحق بالباطل، حيث اعترضوا على أن يكون طالوت ملكًا عليهم، فأخذوا يجادلون في اختيار الله، ويستنكرون هذا الاختيار، وأنهم أحق بالملك منه فهو لم يكن من نسل الملوك ولا صاحب مال وغنى فيهم، فكل هذا مقدم عندهم على اصطفاء الله لهذا الرجل عليهم.

ولذا أخبرهم نبيهم بأن آية ملكه أن يأتيهم بالتابوت الذي فيه مخلفات أنبيائهم، والذي سلبه منهم أعداؤهم، يأتيهم بالتابوت بما فيه تحمله الملائكة، وهذه الآية دلالة على صدق اختيار الله طالوت، لأن نبيهم يعلم أن طبيعة بني إسرائيل لا ينفع معها إلا الخوارق الظاهرة، ولا يردهم إلى الثقة بنبيهم إلا المعجزات البينة.

رابعًا: أن طالوت بعثه الله ملكًا عليهم ليجاهدوا في سبيل الله، وكان من صفات هذا الملك بسطة العلم والجسم، فعلى المسلمين عند اختيار قيادتهم العسكرية أن لا يغفلوا هاتين الصفتين: العلم والدراية والقوة والبأس، لأن انعدامهما أو انعدام أحدهما في القائد العسكري يؤول عليه، وعلى جنده بالفشل.

خامسًا: أن طالوت بعلمه الذي علمه الله يدرك الهزيمة النفسية الكامنة في نفوس القوم نتيجة هزائمهم المتكررة، وهو قادم بهم على جيش أمة غالبة، فلا بد أن يختبر قوة إرادتهم، وضبط نفوسهم عن الشهوات والنزوات، وتحملها للحرمان والمشقة.

يقول سيد قطب رحمه الله: فلا بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه وصموده وصبره أولًا للرغبات والشهوات، وصبره ثانيًا على الحرمان والمتاعب.

ولذا لم ينجح في الابتلاء من القوم إلا القليل إذ شرب معظمهم من النهر، ولذا كان من الخير أن ينفصل هؤلاء المنهزمون أمام شهواتهم عن الجيش حتى لا يكونوا عبئًا عليه، وبذرة خذلان فيه.

سادسًا: أن الجهاد والقتال في سبيل الله لا يكفي فيه التربية الإيمانية العلمية وحدها، بل لا بد معها من تربية وإعداد عملي كما فعل طالوت.

سابعًا: أن القائد المحنك لا يهزه تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى، بل عليه أن يمضي في طريقه، وإعداد جيشه مهما قل عدد جيشه، وكثر عدد جيش عدوه.

ثامنًا: أن هذه القلة المؤمنة التي جاوزت معه النهر كانوا يعلمون كثرة العدو وقوته، لكنهم عندما رأوه رأي العين أحس بعضهم بالضعف، وفي مثل هذه الحالة لا يصمد إلا من اكتمل إيمانه واتصل قلبه بربه، وهنا برزت الفئة القليلة المتصلة بربها ذات الموازين الربانية قائلين: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة:249] .

تاسعًا: أن الجيوش ليست بالعدد والضخامة، ولكن بالقلب الصادق والإرادة الجازمة.

عاشرًا: أن الفئة القليلة المؤمنة الصابرة تستمد قوتها من ربها، ولذلك لما برزوا لجالوت وجنوده: (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة:250] .

حادي عشر: أن الإيمان الصادق إذا التقى بالكفر الماحق كان الغلبة للمؤمنين، ولو بعد حين.

إلى غيرها من الدروس المستفادة من هذه القصة، وهي دروس لا يتسع المقام لذكرها جميعًا، ولكن نكتفي بما ذكر.

والله أعلم.

[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 07 جمادي الأولى 1423

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت