وممن صوب هذه القراءة: ابن مالك، وأبو حيان، وابن الجزري، والأشموني، والصبان، والسيوطي، والآلوسي، وغيرهم. وأكتفي بما قاله ابن مالك، وأبو حيان، وابن الجزري، قال ابن مالك في الكافية الشافية:
فصل مضاف شبه فعل ما نصب
مفعولًا أو ظرفًا أجز ولم يعب
فصل يمين واضطرارًا وجدا
بأجنبي أو بنعت أو ندا .
فقد أجاز ابن مالك أن يفصل بين المضاف والمضاف إليه بما نصبه المضاف، من مفعول أو ظرف أو ما يشبهه ، خالف في ذلك المدرسة البصرية التي ينتمي إليها.
وممن دافع هذه القراءة أبو حيان الأندلسي النحوي، قال وهو يرد على الزمخشري:
(وأعجب لعجمي ضعيف في النحو ، يرد على عربي صريح محض، قراءة متواترة، موجود نظيرها في لسان العرب، في غير ما بيت. . . وأعجب لسوء ظن الرجل بالقرّاء الأئمة، الذين تخيرتهم هذه الأمة، لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم وفهمهم وديانتهم ... وإذا كانوا قد فصلوا بين المضاف والمضاف إليه بالجملة في قول بعض العرب: هو غلام - إن شاء الله - أخيك. فالفصل بالمفرد أسهل) .
وقد استدل أبو حيان في رده على الزمخشري بقول أبي الفتح: (إذا اتفق شيء من ذلك نظر في حال العربي، وما جاء به، فإذا كان فصيحًا، وكان ما أورده يقبله القياس، فالأولى أن يحسن الظن به، لأنه يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة، قد طال عهدها وعفا رسمها. ثم استدل بقول أبي عمرو بن العلاء المشهور:(ما انتهى إليكم مما قاله العرب إلا أقله، ولو جاءكم لجاءكم علم وافر وشعر كثير) .
أما ابن الجزري فقال: (قلت: والحق في غير ما قاله الزمخشري، ونعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي. وهل يحل لمسلم بما يجد في الكتابة من غير نقل؟ بل الصواب جواز مثل الفصل، وهو الفصل بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول في الفصيح الشائع الذائع اختياره. ولا يختص ذلك بضرورة الشعر. ويكفي في ذلك دليلًا هذه القراءة الصحيحة المشهورة، التي بلغت التواتر. كيف وقارئها ابن عامر من كبار التابعين، الذين أخذوا عن الصحابة، كعثمان بن عفان وأبي الدرداء - رضي الله عنهما -، وهو مع ذلك عربي صريح، من صميم العرب. فكلامه حجة، وقوله دليل على أنه كان قبل أن يوجد اللحن ويتكلم به، فكيف وقد قرأ بما تلقى وتلقن وروى وسمع ورأى ... ) .
وهذه الأدلة كافية لأن يعتقد الباحث أن هذه القراءة ليست قبيحة كما قال بعضهم، ولا ضعيفة، بل هي أجدر بالتقدير من القاعدة النحوية المستحدثة. وقد تحقق نقلها بالتواتر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهل القدسية للقراءة المتواترة؟ أم للقاعدة النحوية؟
فاللسان العربي اشتمل على كثير من الأساليب التي ورد فيها الفصل بين المتضايفين، بأشكال وأنواع شتى، في شعر الأعشى وعمرو بن كلثوم، وبجير بن زهير، ومعاوية بن أبي سفيان، وتأبط شرًا، والفرزدق، وجرير، وأبي زيد الطائي، وأبي حية النميري، وذي الرمة. .
وهذه القراءة قوية في النقل والمعنى.
أما النقل: فوردت شواهد كثيرة، منها قول الشاعر:
عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة
فسقناهم سوق البغاث الأجادل
حيث فصل بين المضاف وهو (سوق) ، والمضاف إليه وهو (الأجادل) . والأجادل: جمع أجدل، وهو طائر ضعيف، بقوله: البغاث. وقول الشاعر:
فزججتها بمزجة ز
جّ القلوص أبي مزادة
حيث فصل بين المضاف (زج) ، والمضاف إليه (أبي مزادة) ، بالمفعول
(القلوص) . وجاء مثله قراءة بعض السلف (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) ، حيث نصب (وعده) على أنها مفعول به للمصدر (مخلف) . وكقول الشاعر:
ما زال يوقن من يؤمك بالغنى
وسواك مانع فضله المحتاج
ففصل بالمفعول (فضله) بين المضاف (مانع) ، والمضاف إليه (المحتاج) .
وأما المعنى، فمن أوجه:
1 -كون الفاصل فضلة، فإنه صالح لعدم الاعتداد به.
2 -أنه غير أجنبي، يعني: الفاصل، لأنه معمول للمضاف وهو المصدر.
(يُتْبَعُ)