الدار، أوزعه [1] الله شكر ما أولاه، وكان له في جميع أموره وتولاه: إن علم الأدب الذي هو عبارة عن معرفة الأشعار والأخبار، على ما سنذكره بعد في المقدمة إن شاء الله، لمّا كان من أجلّ العلوم قدرا وأعظمها خطرا لتكفّله [2] من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشّيم ومن تقويم أود النفس، الذي به تتفاضل الأقدار وتتفاوت القيم، بما يضيق عنه نطاق التعبير، ويعجز عن وصفه من عرف بالبلاغة وجودة التحبير. فكم شجّع من جبان [3] ، وكم قوّى من جنان، وكم أنطق بالحكمة من لسان. وكم بسط من يد كانت مقبوضة عن الإحسان. وكم هذّب من نفس. وكم جلب من أنس. وكم كشف من لبس. وكم أغنى عن تخمين وحدس. وكم استعطف به من كريم. وكم استنزل به من لئيم. وكم أرهف من خاطر. وكم أفاد من حكمة ومثل سائر. وكم وقع من قلوب الأعادي، موقع السّهام. كما أخبر بذلك نبيّنا عليه أفضل الصلاة والسلام [4] ، «عن ابن شهاب الزهري رحمه الله قال، حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، عن أبيه رضي الله عنه قال، قلت: يا رسول الله، قد أنزل الله في الشعر ما قد علمت، فما ترى فيه؟ قال: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ويده، والذي نفسي بيده لكأنّما تنضحونهم بالنّبل» . إلى غير ذلك من فضائله التي لا تحصى بعدّ، وخصائصه التي لا تحصر برسم ولا حدّ. (الطويل)
ولولا خلال سنّها الشّعر ما درى ... بغاة العلا، من أين تؤتى المكارم [5]
كان [6] أولى بأن يصرف إلى تعلّمه وتعليمه عنان العناية. وأحرى بأن يقدّم
(1) من قوله تعالى { «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ» } . سورة النمل 27/ 19أوزعه الشيء: ألهمه وأولعه به. (اللسان: وزع)
(2) ج: يتكلفه.
(3) القول في اقتطاف الأزهار 6.
(4) الفتح الرباني 19/ 276275.
(5) البيت من قصيدة لأبي تمام في مدح القاضي أحمد بن أبي دؤاد، مطلعها:
ألم يأن أن تروى الظّماء الحوائم ... وأن ينظم الشّمل المشتّت ناظم
وهي في ديوانه 3/ 183176
(6) هذا جواب كلمة (لمّا في قوله: «إن علم الأدب الذي هو لمّا كان من أجل العلوم»