من بلدة بعيدة لتحدّثني بحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فاستعظم شعبة ذلك منه [1] فقال يا هذا، دخلت منزلي بغير إذني، وتكلمني على مثل هذا الحال!؟ فقال: إني خشيت الفوت. فقال: تأخّر عني حتى أصلح من شأني، فلم يفعل، واستمرّ في الإلحاح، وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرئ. فلما أكثر قال له: اكتب [2] «حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن أبي مسعود البدري عن رسول صلّى الله عليه وسلم، قال:
إن مما أدرك الناس من كلام النبوءة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». ثم قال: والله لا حدّثتك بعد هذا [3] الحديث، ولا حدّثت قوما تكون فيهم.
فانظر أكرمك الله إلى صنع هذا الإمام الجليل، وكيف امتنع من تحديث هذا السائل مع شدة إلحاحه [4] عليه، ومع ما علم من حاله هو من رغبته في بث العلم ونشره وحرصه على الإفادة بما لديه. وما ذلك إلا لأنه لما لم يره أهلا للإفادة لما [5]
قام به من سوء الأدب واحتفّ به من قلة الحياء الذي هو شعبة من شعب الإيمان، عامله بالإبعاد وقابله بالطرد، وعاقبه بالحرمان، صيانة للحكمة عن وضعها في غير محلها، وعن بذلها لغير مستحقها، وإيتائها غير أهلها، عملا بقوله صلّى الله عليه وسلم: [6] «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» . أو كما قال عليه الصلاة والسلام وما زال العلماء رضي الله عنهم يحضون على التزام الأدب في طلب العلم، ويحذرون من طلبه بالجهل. قال ذو النون المصري [7] رحمه الله: إياك
(1) لأنه سلم عليه وهو يبول، ولم يكتف بذلك بل طلب منه أن يحدّثه، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن التسليم على رجل أثناء البول. أنظر سنن ابن ماجه 1/ 7574
(2) فتح الباري 10/ 523وسنن ابن ماجة 2/ 1400ولباب الآداب 282وتذكرة الحفاظ 3/ 922وكشف الخفاء 1/ 14 وفي شرح الموطأ 2/ 47: «فافعل ما شئت» .
(3) د. بغير هذا.
(4) د: الحاجة، وهو غلط.
(5) د: بما.
(6) الحديث في العقد الفريد 2/ 215وأدب الدنيا 89ونسب في طبقات الصوفية 22والذريعة إلى مكارم الشريعة 121 وكشف الخفاء 2/ 373لعيسى عليه السلام وورد في سنن الدارمي 1/ 105، 106حديث قريب منه، نصّه «لا تحدّث الباطل للحكماء فيمقتوك ولا تحدث الحكمة للسّفهاء فيكذبوك ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تضعه في غير أهله فتجهل «أو» لا تمنع العلم من أهله فتأثم ولا تنشره عند غير أهله فتجهل وكن طبيبا رفيقا يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع» ومثله في إحياء العلوم 1/ 51لأحد العلماء.
(7) هو أبو الفضل ثوبان بن إبراهيم، المشهور بذي النون كان زاهدا وأحد رجال الطريق (245هـ) أنظر طبقات الصوفية 2615والوفيات 1/ 318315.