فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 974

أن تطلب العلم بالجهل. فقيل له: وكيف نطلب العلم بالجهل؟ فقال: إذا قصدت العالم في غير وقته، وتخطّيت الرقاب، وتركت في طلبه حرمة الشيوخ، ولم تستعمل في طلبه السكينة والوقار والأدب، فذلك طلب العلم بالجهل.

وهذا إمامنا مالك بن أنس رحمه الله ورضي الله عنه [1] (لمّا) سأله جرير ابن عبد الحميد [2] القاضي عن حديث وهو قائم أمر بحبسه. فقيل له: إنه قاض.

فقال: القاضي أحقّ من أدّب. ولمّا سأله هشام بن الغازي [3] عن حديث وهو واقف أمر بضربه فضرب [4] عشرين سوطا. ثم رقّ له فحدّثه عشرين حديثا. فقال هشام: وددت لو زادني سياطا ويزيدني حديثا. ولمّا مشى معه عبد الرحمن بن مهدي [5] يوما إلى العقيق [6] ، فسأله عن حديث انتهره وقال له: كنت في عيني أجل من أن تسأل عن حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم ونحن نمشي. إلى غير ذلك ممّا جاء عن الأئمة في هذا المعنى مما يفوت الحصر.

ولله درّ أبي عبيدة حيث قال: ما قرعت بابا على عالم قط. وحينئذ ففعل شعبة، رحمه الله، لما فعل من تأديب هذا السائل بما ذكر، صواب. وليت الناس قفوا أثره في ذلك. فما أتي العلماء رحمهم الله إلّا من عدم توقيرهم للعلم وتساهلهم في أمره، وانتهاكهم لحرمته واستخفافهم بعظيم قدره [7] : (الطويل)

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس لعظّما

ولكن أهانوه فهانوا، ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما

(1) ما بين القوسين ساقط من د.

(2) هو محدث الري عالم ثقة (188هـ) أنظر تاريخ بغداد 7/ 253وميزان الاعتدال 1/ 396394وتذكرة الحفاظ 1/ 272271والأعلام 2/ 119.

وانظر الخبر في ترتيب المدارك 2/ 25

(3) محدث وعابد وإمام مقرئ من دمشق (153هـ) أنظر سير الأعلام 7/ 60وميزان الاعتدال 4/ 304.

(4) ج د: أمر بضربه فضرب. أب: ضربه.

(5) العنبري البصري اللؤلئي فقيه من كبار حفاظ الحديث (198هـ) أنظر تذكرة الحفاظ 1/ 332329والأعلام 3/ 339 والخبر في ترتيب المدارك 2/ 25.

(6) العقيق هو كلّ مسيل ماء شقّه السيل ويقصد عقيق المدينة وفيه عيون ونخل وهو على بعد ليلتين منها. معجم ما استعجم (3/ 953952) ومعجم البلدان 4/ 139138.

(7) البيتان للقاضي الجرجاني. من المقطوعة الآتية، كما ذكر المؤلف، وهي في معجم الأدباء 14/ 1817وأغلبها في اليتيمة 4/ 23والإعجاز 195وبعضها في كشف الخفاء 2/ 152والبيت الأول في طبقات الفقهاء 122والوفيات 3/ 278 قوله: «ولو أن أهل العلم صانوه تضمين للحديث: «لو أن أهل العلم صانوه ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم، ولكن بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا على أهلها» أنظر كشف الخفاء 2/ 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت