وقبل هذين البيتين مما يؤكّد هذا المعنى ويشيد هذا المبنى:
يقولون لي فيك انقباض وإنّما ... رأوا رجلا عن موقف الذّلّ أحجما [1]
إذا قيل هذا مورد، قلت: قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما [2]
ولم أقض حقّ العلم إن كنت كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأغرسه عزّا وأجنيه ذلّة ... إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم البيتان
وهذه الأبيات للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني [3] رحمه الله.
والحديث الذي أملاه شعبة على السائل صحيح، أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه بلفظ [4] : «إنّ ممّا أدرك النّاس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» بإسقاط لفظ «الأولى» [5] . وأخرجه الإمام أحمد [6] وأبو داود [7] وابن ماجه [8] باللفظ المذكور. ومعناه، والله أعلم: أن الحياء ممّا اتفقت عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنه جاء في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام واتّفقت عليه بقيّتها، فما من نبي إلّا ندب [9] إليه وحضّ عليه.
وأما الأدب المكتسب فهو ما يحصل للإنسان من الكمالات بالتّعلّم والرياضة والمجاهدة. فيكون مطلوب الاكتساب كغيره من العلوم المكتسبة ومن جملة ما يتناوله الأمر بالتعلّم في نحو قوله صلّى الله عليه وسلم: [10] «يا أيّها الناس، تعلّموا، فإنّما العلم
(1) حاشية د: = خ في موقف =.
(2) حاشية أ: = خ هذا منهل =.
(3) قاض من العلماء بالأدب والنقد من أشهر كتبه الوساطة بين المتنبي وخصومه (366هـ) اليتيمة 4/ 263وطبقات الفقهاء 122والوافي بالوفيات 3/ 278.
(4) فتح الباري 10/ 523ونثر الدر 1/ 207.
(5) لم تسقط «الأولى» من صحيح البخاري، ولعلها سقطت من النسخة التي نقل منها المؤلف.
(6) الفتح الرباني 19/ 206.
(7) عون المعبود 13/ 153
(8) سنن ابن ماجة 2/ 1400.
(9) النّدب أن يندب إنسان قوما إلى أمر أو حرب أو معونة أي يدعوهم إليه (اللسان: ندب) .
(10) فتح الباري 1/ 160، 6/ 217، 13/ 293، وسنن ابن ماجة 1/ 80ونثر الدر 1/ 183وكشف الخفاء 2/ 285.