وهذه المقالات، وإن اختلفت مبنى، فليس بينها اختلاف في المعنى لرجوعها بالآخرة إلى معنى واحد، وذلك أن من قال: إنه معرفة الأشعار والأخبار [1] كأنه نظر إلى ما عليه مداره، وما يلزم فيه ملاحظته واعتباره. ولا شك أن فلكه دائر على معرفة الأشعار ورواية الأخبار. ومن قال: إنّه التّفنّن في العلوم والمشاركة فيها كأنّه رأى [2] أن ماهيته في الجملة وعلى سبيل التقريب إنما تتقوّم بعلوم [3] متعددة أعمّ من أن تكون رواية الأخبار ومعرفة الأشعار، أو غير ذلك من العلوم الأربعة عشر المذكورة في القول الآخر، أو غيرها. غايته أنه أبهم تلك العلوم ولم يفسّرها، والخطب في ذلك سهل. ومن رأى أنه مجموع أربعة عشر علما، كأنّه أشار إلى بيان العلوم الدائر فلكه عليها، وتفصيل ما أجمله غيره منها. والله سبحانه وتعالى [4] أعلم.
ثم إنهم [5] قسّموه إلى غايتين، ونوّعوه إلى مرتبتين: دنيا وعليا. فأمّا غايته [6] الدنيا فهي أن يحصل للمتأدّب بالنظر في الأدب والتّمهّر فيه قوة يقتدر بها على النظم والنثر لا غير. وأما غايته العليا فهي أن يحصل له قوة على فهم كتاب الله تعالى وحديث رسوله صلّى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، ويعلم كيف يبني الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة بعضها على بعض حتى يستنبط منها الأحكام على حسب ما تقتضيه مباني كلام العرب ومجازاتها كما يفعله [7] أهل الأصول.
وهذا سفيان بن عيينة [8] رحمه الله على جلالته، وكمال حفظه واتّساع روايته كان كثيرا ما يسأل ابن مناذر [9] عن معاني حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيخبره
(1) ج د: الأشعار والأخبار. أ. ب: الأخبار والأشعار.
(2) د: يرى.
(3) د، حاشية أ: من علوم.
(4) ج د: والله تعالى أعلم.
(5) منقول من الاقتضاب 14ببعض التصرف إلى قوله (الأصول)
(6) ج: غاية وهو غلط.
(7) ب د: يفعل.
(8) هو محدّث الحرم المكي، كان إماما زاهدا ورعا حجّ سبعين حجة (198هـ) المعارف 507506والوفيات 2/ 393391وتذكرة الحفاظ 1/ 265262والأعلام 3/ 105.
(9) سترجم له المؤلف برقم 31. وانظر الخبر في الأغاني 18/ 170.