بها ويقول له: كذا مأخوذ من كذا. فيقول سفيان: كلام العرب يأخذ بعضه برقاب بعض، كما يأتي في ترجمة ابن مناذر، إن شاء الله.
وبين المقامين بون بعيد، وتفاوت شديد، لا يخفى على من له فهم ثاقب ونظر سديد. وقد نصّ على الغايتين المذكورتين الإمام أبو محمد البطليوسي الشهير بابن السّيد [1] . فإنه قال، رحمنا الله وإياه، في شرح أدب الكاتب لابن قتيبة، بعد أن ذكر من غايتي الأدب نحوا ممّا قدّمناه [2] مشيرا إلى أفضل غايتيه وأكمل مرتبتيه: [3] «وفي الأدب لمن حصّل هذه المرتبة منه أعظم معونة على علم الكلام وكثير من العلوم النظرية، فقد زهد النّاس في علم الأدب وجهلوا قدر الفائدة الحاصلة منه حتى ظن المتأدّب أنّ أقصى غاياته أن يقول من الشعر أبياتا. والشعر عند العلماء أقصى مراتب الأدب لأنه باطل يجلى في معرض حقّ وكذب يصوّر بصورة صدق. قال: وهذا الذّمّ يتعلق بمن ظنّ صناعة الشّعر غاية الفضل. وأفضل حلى النّبل، فأمّا من كان الشعر بعض حلاه، وكانت له فضائل سواه، ولم يتّخذه مكسبا وصناعة، ولم يرضه لنفسه حرفة وبضاعة، فإنّه زائد في جلالة قدره، ونباهة ذكره» انتهى. ذكر ذلك في شرح قوله: [4] «فأبعد غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حسن الخطّ قويم الحروف، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتا في مدح قينة أو وصف كأس» إلخ.
وبالجملة فالأدب من أحسن ما يتحلى به الإنسان، وأجمل ما يتنافس فيه ذوو [5] العرفان، لكونه من أعظم الوسائل إلى معرفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم، كما بيّنه لك أبو محمد ابن السّيد رحمه الله تعالى. وكفى بذلك شرفا
(1) هو عبد الله بن محمد بن السيّد البطليوسي، من علماء اللغة والأدب في الأندلس، من كتبه الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، وهو من المصادر التي أخذ منها المؤلف (521هـ) الوفيات 3/ 9896والأعلام 4/ 123.
(2) د: قدمنا.
(3) الاقتضاب 1514.
(4) أدب الكاتب 2، الاقتضاب 14
(5) أب ج د: ذو، ش: ذوي، وهو غلط، صوبناه.