فيجيبهم صلّى الله عليه وسلم: «اللهمّ لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» .
ومنها أنهم كانوا يتعرضون به لحاجاتهم، ويستشفعون بتقديم الأبيات بين يدي طلباتهم. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [1] «من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات يقدّمها الرجل أمام حاجته، فيستعطف بها الكريم، ويستنزل بها اللئيم» ، كما فعل كعب بن زهير رضي الله عنه، وذلك أنه كان في جاهليته ممّن يهجو رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويؤذيه بلسانه، فلمّا [2] انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلم من غزوة الطائف راجعا إلى المدينة كتب إليه أخوه بجير بن زهير بن أبي سلمى يخبره أن رسول الله عليه وسلم قد قتل رجالا بمكة ممّن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض. فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، ولم يجد بدّا من الإسلام والاستسلام، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به، وأتى المدينة مستخفيا، فنزل على رجل من جهينة كانت بينه وبينه معرفة، فغدا به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين صلى الصبح، فجلس بين يديه ووضع يده في يده، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء [3] ليستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: نعم. قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدوّ الله أضرب عنقه، فقال صلّى الله عليه وسلم: دعه عنك، فإنه قد جاء تائبا نازعا [4] . فغضب كعب على الأنصار لما صنع به صاحبهم، ومدح المهاجرين دونهم، إذ لم يتكلم فيه رجل منهم إلا بخير.
(1) الكامل 1/ 75والعمدة 1/ 16وشرح المقامات 2/ 154وأخبار عمر 308.
(2) من السيرة 2/ 512501بتصرف والخبر في الأغاني 17/ 8986.
(3) ج د: جاءك.
(4) نزع عن الصّبا والأمر ينزع نزوعا: كفّ وانتهى. (اللسان: نزع)