فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 974

فبقيت باهتا ساعة، ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: هو ممّن يشرب النبيذ؟ قال:

نعم، وأحسب عنده اليوم دعوة [1] ، وليس ينادم إلّا تجارا مثله مستورين. فإني لكذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان، من رأس الدّرب، فقال لي الخياط. هؤلاء منادموه. فقلت: ما أسماؤها وما كناهما؟ فقال: فلان وفلان وأخبرني بكناهما، فحرّكت دابتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداءكما قد استبطأكما أبو فلان أعزّه الله، وسايرتهما، حتى أتينا إلى الباب فأجلّاني وقدّماني، فدخلت ودخلا، فلما رآني معهما صاحب المنزل لم يشكّ أني منهما بسبيل، أو قادم قدمت عليهما من موضع، فرحّب بي وأجلسني في أفضل المواضع، فجيء يا أمير المومنين بالمائدة وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان، فكان يا أمير المومنين طعمها أطيب من ريحها، فقلت في نفسي: هذه الألوان قد أكلتها. بقيت الكفّ أصل إلى صاحبتها.

ثم رفع الطعام وجيئ بالوضوء، ثم صرنا إلى منزل المنادمة فإذا أشكل [2] منزل يا أمير المومنين. وجعل صاحب المنزل يلطفني ويقبل عليّ بالحديث، وجعلوا لا يشكّون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدّمة. وإنما ذلك الفعل كان منه لما ظنّ أني منهما بسبيل، حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية يا أمير المومنين كأنها غصن بان يتثنّى فأقبلت فسلّمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست وأتي بعود، فوضع في حجرها، فجسّته فاستبنت في جسّها حذقها، ثم اندفعت تغنّي [3] :

(الطويل)

توهمّها طرفي فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر

وصافحها قلبي فآلم كفّها ... فمن مسّ قلبي في أناملها عقر

(1) الدّعوة: ما دعوت إليه من طعام وشراب (اللسان: دعا)

(2) أشكل منزل أي أحسن منزل (اللسان: شكل) .

(3) أول مقطعة غزلية في ثلاثة أبيات لأبي نواس في ديوانه 730ومروج الذهب 3/ 424والأغاني 5/ 228وشرح المقامات 1/ 215والبيتان في العقد الفريد 6/ 209. والتاريخ الكبير 2/ 278.

الأثر بالضم أثر الجرح يبقى بعد البرء. العقر بالفتح الجرح والحزّ (اللسان: أثر، عقر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت