الذي انتزعك مدائحه، وارتجعك منائحه [1] ، واستلبك قلائده، واختلبك قصائده، بعد ما كنت تغيّر أسماءها وتجلّي بغير نجومها سماءها، فأصبح يتقرّب إلى ملوك عصره، بما كنت تدّعيه، ويعي [2] منه ما لم تكن تعيه، نازعا عن وجوهها سواتر النّقب [3] قد جعل إليه عقدها وحلّها، وكان أحقّ بها وأهلها، فقلت: خاب السّاعون، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، قد كان عهدى بهذا الرّجل فارضا [4] ، فمتى صار قارضا، وأعرفه يتستّر بالحشوية [5] ، فما باله ارتبك بين البديهة والرّويّة، وقد كان ذا طبع جاف عن التعرّض لنظم القوافي، وقد كان أخرج من الموصل، وليس معه قرى [6] يوصّل، فاشتغل بترّهات القصّاص، نصبا على ذوات الأعين من وراء الخصاص [7] .
وعاش يظنّ نثر الإفك وعظا ... وينصب تحت ما نثر الشّباكا [8]
(1) المنائح جمع منحة وهي العطيّة. (اللسان: منح) .
(2) أب ح: تعي، وهو غلط.
(3) النّقب جمع نقاب، وهو الثوب الذي تضعه المرأة على وجهها (اللسان: نقب) .
(4) الفارض: من فرضت للميت: ضرحت. (اللسان: فرض) ولعله يقصد بالفارض أنه كان حفّارا للقبور. والفارض أيضا:
الواهب من الفرض هو الهبة المرسومة، يقال: ما أعطاني فرضا ولا قرضا. (اللسان: فرض) . ولعله يقصد بذلك أن هذا الواعظ كان يهب الناس الكلام (يعظهم) فأصبح الآن يقترض الكلام، يريد أنه أصبح يسرق شعره (أبي تمام) .
(5) الحشويّة نسبة إلى الحشو، وهو من الكلام الفضل الذي لا يعتمد عليه وكذلك هو من الناس. (اللسان: حشا) . ولعله يقصد أن هذا الواعظ كان كثير الحشو في كلامه رذل القول فأصبح الآن يجرّب القول بديهة وروية. والحشوية أيضا طائفة من المبتدعة من فرق المعتزلة سمّوا بذلك نسبة إلى الحشو أي اللغو وذلك لأنّ الحشوية أو أهل الحشو أخذوا بظواهر القرآن دون تبصّر حتى وقعوا في الاعتقاد بالتجسيم وأثبتوا الجهة لله تعالى، وهم في بحثهم أصول الدين يتكلمون بالعقول ويتصرفون في المنقول حسب تعبير السبكي انظر طبقات الشافعية للسبكي 5/ 183182وتاج العروس (حشو) والقاموس الإسلامي 3/ 102، وعلم الكلام 111109، 158157وجاء في الحور العين 258: = وسميت الحشويّة حشوية، لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أي يدخلونها فيها وليست منها، وجميع الحشويّة يقولون بالجبر والتشبيه =.
(6) القرى: الطعام. (اللسان: قرا)
(7) الخصاص: شبه كوّة في قبّة أو نحوها. (اللسان: خصص) .
(8) البيت غير معزوّ في الوافي بالوفيات 5/ 117وإدراك الأماني 13/ 51.