وإن أنا أرجأت الأمور إلى غد ... طعنت بغرب العجز في ثغرة الحزم
وإنّ أحقّ النّاس باللّوم لامرؤ ... يضلّ طريق الرّشد وهو على علم
كتمت اشتياقي، والنّحول ينمّ بي ... كأنّي أحلت الكتم منّي على جسمي
وقلت لجفني إن دعيت لعبرة ... فساعد بها، مطل الغنيّ من الظّلم [1]
ولم لا؟ وقد حلّ الرّكاب بيثرب ... وبؤت بشحط الدّار منها على رغم
تذامر أقوام إليها وضمّروا ... مخيّسة تهوي بأجنحة العزم [2]
وقام خضمّ الماء دون مرامهم ... فلم يحفلوا منه بهول ولا لطم
إذا النّفس أبدت فيه ظنّا بحسمه ... تقول لها الأشواق: ألقه في اليمّ
فما كان إلّا أن أتوا معهد الهدى ... وشيكا كما أغفيت في سنة الحلم
وفازوا بما حازوا كراما فإنّما ... زيارة خير الخلق من أعظم الغنم
كأنّي بقومي حين حلّوا حلالها ... وأعينهم، إذ ذاك، أجفانها تهمي
يكبّون للأذقان في عرصاتها ... سلاما وتقبيلا على ذلك الرّسم
فيعفى عن الأوزار في ذلك الحمى ... وتغتفر الآثام في ذلك اللّثم
فلله درّ القوم فيها وقد غدوا ... ضيوفا بمثوى سيّد العرب والعجم
أقام لهم حيّا أمانا من الرّدى ... وقام مقام الغيث في شدّة الأزم
وحلّوا به ميتا فكان قراهم ... خفارة ذي روع وتأمين ذي جرم
رسول أتى حكم الكتاب بمدحه ... وأثنى عليه الله بالصّدق والحلم
أحبّ من المحيا وأجدى من الحيا ... وأهدى لمن ضلّ السبيل من النّجم
قريع صميم المجد في آل هاشم ... أولي النّسمات الغرّ والآنف الشّمّ [3]
(1) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم = مطل الغنيّ ظلم = انظر سنن ابن ماجة 2/ 803
(2) تذامر القوم: تحاضّوا أو حثّ بعضهم بعضا. خيّس الدابة فهي مخيّسة أي راضها وذلّلها بالرّكوب. (اللسان: خيس، ذمر) ألقه في اليمّ: من قوله تعالى {= فَإِذََا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، وَلََا تَخََافِي وَلََا تَحْزَنِي =} سورة القصص 28/ 7.
(3) الآنف جمع أنف وهو المنخر. (اللسان: انف) .