فهرس الكتاب

الصفحة 851 من 974

الله يحكي قال: بينما المنصور ابن أبي عامر [1] في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع، فرأى جيوش المسلمين بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقد ملؤوا السّهل والجبل، فالتفت إلى مقدّم العسكر وهو رجل يعرف بابن المصحفي [2] ، فقال له المنصور: أفي هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة؟

فسكت ابن المصحفي، فقال له المنصور: ما سكوتك؟ أليس في هذا الجيش ألف مقاتل؟ قال: لا، فتعجّب المنصور، ثم عطف عليه، فقال: أفيهم خمس مائة رجل من الأبطال المعدودين؟ قال: لا، فحنق المنصور ثم قال: أفيهم مئة رجل؟ قال:

لا، قال: أفيهم خمسون من الأبطال؟ قال: لا، فسبّه المنصور، واستخفّ به، وأمر به فأخرج على أقبح صفة. قال: فلمّا توسّطوا بلاد المشركين اجتمعت الروم وتصافّ الجمعان، فبرز علج من الروم بين الصفين، شاكّ [3] في سلاحه يكرّ ويفرّ وهو ينادي:

هل من مبارز؟، فبرز له رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة فقتله العلج، ففرح المشركون، وصاحوا، واضطرب لها المسلمون، ثم جعل العلج يمرح بين الصفين وينادي:

هل من مبارز اثنين بواحد؟ فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة، فقتله العلج، وجعل يكرّ ويحمل وينادي هل من مبارز، ثلاثة بواحد فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله العلج، فصاح المشركون وذلّ المسلمون، وكادت تكون كسرة، فقيل للمنصور:

مالها إلّا ابن المصحفي، فبعث إليه، فحضر، فقال له المنصور: ما ترى ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم؟ قال: بعينيّ ما جرى، قال: فما الحيلة فيه؟ قال: وما الذي تريد؟ قال: أن تكفي المسلمين شرّه، قال نعم، الآن إن شاء الله.

(1) هو محمد بن عبد الله المعافريّ أمير الأندلس في دولة المؤيد الأموي اشتهر بحزمه ودهائه وبحروبه وغزواته ضد الإفرنج (392هـ) الحلة السيراء 1/ 277268والإحاطة 2/ 108102والمرقبة العليا 8280 والأعلام 6/ 226.

(2) هو أبو الحسن جعفر بن عثمان المصحفيّ الحاجب الوزير، وكان ابن أبي عامر يصحبه معه في الغزوات، وقد قتل سنة 372هـ. الحلة السيراء 1/ 267257.

(3) شاكّ في سلاحه: داخل فيه، وهو اللّابس السّلاح التام. (اللسان: شكك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت