فهرس الكتاب
ثم قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل من رجال الثغور على فرس قد نشزت أوراكها هزالا وهو يحمل قربة ماء بين يديه على فرسه، والرجل في نفسه وفي حليته غير متصنّع، فقال له ابن المصحفي: ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم؟
قال: قد رأيته، فماذا تريد فيه؟ قال: أريد رأسه الآن، قال: نعم، فحمل القربة إلى رحله ولبس لأمة حربه وبرز إليه، فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلّا المسلم خارجا إليهم يركض ولا يدرون ما هنالك، وإذا الرجل يحمل رأس العلج فألقى الرأس بين يدي المنصور، فقال له ابن المصحفي: عن هؤلاء الرّجال خبّرتك، إنّه ليس في عسكرك منهم ألف ولا خمس مائة ولا خمسون ولا عشرون ولا عشرة، فردّ ابن المصحفي إلى منزلته وأكرمه وأحسن إليه.
وحدث أيضا [1] أنه كان بسرقسطة [2] (فارس) يقال له ابن فتحون، قال [3] : وكان يناسبني من جهة أمّي فيقع خال والدتي وكان أشجع العرب والعجم قال: وكان المستعين [4] أبو المقتدر بالله [5] يرى له ذلك ويعظّمه وكان يجري له في كلّ عطية خمس مائة دينار، وكانت النصرانية بأسرها قد عرفت مكانه وهابت لقاءه، حتى كان الروميّ إذا سقى فرسه فلم يشرب، يقول له: اشرب أو رأيت ابن فتحون في الماء؟ فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان، وأوغروا به صدر المستعين، فمنعه بعض ما كان يعطيه من العطاء، ثم إنّ المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم، فتواقف المسلمون والمشركون صفوفا ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادي: هل من مبارز؟ فخرج إليه فارس من المسلمين، فتجاولا ساعة، ثم
(1) سراج الملوك 146بتصرف والخبر في المستطرف 1/ 219.
(2) ما بين القوسين ساقط من ج.
(3) المتكلم هو أبو بكر الطرطوشي صاحب سراج الملوك.
(4) المستعين هو سليمان بن أحمد بن هود الجذامي أحد ملوك الطوائف من الدولة الهودية كان ملكا على سرقسطة (438هـ) البيان المغرب 3/ 9591، 220والمغرب في حلى المغرب 2/ 436.
(5) المقتدر هو أحمد بن سليمان عميد بني هود ورئيسهم اشتهر بغزواته وهو صاحب مملكة دانية (475هـ) البيان المغرب 3/ 224. والمغرب في حلى المغرب 2/ 437436.