فهرس الكتاب
وبمثل [1] الحيلة المذكورة وقع الظّفر للمقتدر بالله ابن هود [2] ملك شرق الأندلس، وذلك أنّه خرج من سرقسطة، أحد ثغور بلاد الأندلس للطاغية رذمير، عظيم الروم، وكان كلّ واحد منهما قد احتشد بما في ميسوره من ذلك، فالتقى المسلمون والكفّار ثم تنازلوا وتصافّوا ودام القتال بينهم كثيرا من [3] [أوّل] النّهار، وكان المسلمون في خسارة، فأفزع المقتدر ذلك، وفرق المسلمون من شؤم ذلك اليوم، فدعا المقتدر رجلا من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف منه بالحرب يسمّى سعادة، فقال له المقتدر: كيف ترى هذا اليوم؟ قال: هذا يوم أسود. وكان زيّه زيّ الروم وكلامه كلامهم لمجاورتهم وكثرة مخالطتهم، فانغمس في عسكر الكفار ثم قصد إلى الطاغية رذمير فألفاه شاكيا في السّلاح، متكفّنا في الحديد، لا تظهر منه إلّا عيناه، فجعل يترصّد غرّته إلى أن أمكنته الفرصة، فحمل عليه فطعنه في عينه، فخر صريعا لليدين وللفم، ثم جعل ينادي بلسان الروم: قتل السّلطان يا معشر الرّوم. وشاع قتله في العسكر، وتخاذلوا وولّوا منهزمين، وكان الفتح بإذن الله تعالى. فانظر رحمك الله ما يجري على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة والمكيدة، فليحذر ذلك وليتحفّظ منه، وقد علمت بما قصصناه عليك من الحكايات وجلوناه عليك من واضح الآيات صحة ما أشرنا إليه قبل، من أنّ الرجل الواحد من ذوي النّجدة والشّجاعة والإقدام والجرأة والمعرفة بالحروب وتدبيرها خير من ألف رجل ممّن ليس بتلك المثابة، بل خير من عشرة آلاف [4] فتذكّر ولا تكن من الغافلين.
(1) من سراج الملوك 145إلى قوله: = وكان الفتح بإذن الله = بتصرف.
(2) سبق التعريف به في الصفحة 672الحاشية 5.
(3) زيادة في ج.
(4) انظر الصفحات 673669.