من طعام وثوبين. قال: يا أمير المومنين، أما الثوبان فأقبل، وأمّا الوسقان فلا حاجة لي بهما، عند أهلي صاع من برّ هو كافيهم حتى أرجع إليهم.
وروي [1] أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صرّ أربع مائة دينار، وقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرّاح [2] ثم تلكّ [3] ساعة في البيت حتى ترى ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، وقال له يقول لك أمير المومنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال وصله الله ورحمه. ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السّبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفدها [4] . ورجع الغلام إلى عمر، فأخبره ووجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل [5] وقال: اذهب بها إلى معاذ وتلكّ [3]
في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع فيها، فذهب بها إليه، وقال: إنّ أمير المومنين يقول لك: اجعل هذه في حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، ثم قال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا، فقالت امرأة معاذ: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلّا دينار، فرمى به إليها. فرجع الغلام فأخبر بذلك عمر، فقل عمر: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
وهذه كانت سيرة عامّة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته في البذل والإيثار. وأخبارهم في ذلك كثيرة شهيرة عند علماء الآثار: (تام البسيط)
من تلق منهم تقل لقيت سيّدهم ... مثل النّجوم التي يسري بها السّاري [6]
رضي الله عنهم أجمعين، ونفعنا ببركاتهم، وحشرنا في زمرتهم بمنّه وكرمه آمين.
(1) من سراج الملوك 108بتصرف إلى آخر الخبر، وبعضه في اللسان (لها) .
(2) سبق التعريف به في الصفحة 622الحاشية 2.
(3) كذا في أب ج ش هـ و، وأصلها تلكّأ أي تباطأ. (اللسان: لكأ) ، وجاء الخبر في اللسان (لها) وفيه تلهّ ساعة
أي تشاغل وتعلّل.
(4) أنفدها: أفناها من نفد ينفد (المعجم الوسيط: نفد)
(5) سبق التعريف به في الصفحة 261الحاشية 6.
(6) لم أعثر على هذا البيت في المظان.