وحدث [1] الأصمعيّ قال: كانت حرب بالبادية ثم اتّصلت بالبصرة، فتفاقم الأمر فيها حتى مشي بين النّاس بالصّلح فاجتمعوا في المسجد الجامع، قال:
فبعثت [2] وأنا غلام إلى القعقاع بن ضرار [3] [من بني] [4] دارم، فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت، فإذا هو في شملة [5] يخلط نوى لعنز له حلوب فخبّرته بمجتمع القوم، فأمهل حتى غسل القصعة ثم قال: يا جارية غدّينا فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني فقذرته أن آكل معه حتّى إذا قضى من أكله حاجته وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يده ثم صاح: يا جارية، اسقينا ماء، فأتته بماء فشرب ومسح بفضله على وجهه ثم قال: الحمد لله ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام، متى نؤدّي شكر هذه النّعمة، ثم قال: عليّ بردائي فأتته برداء، فارتدى به على تلك الشّملة. قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحا لزيّه فدخل المسجد فصلّى ركعتين ومشى إلى القوم فلم تبق حبوة إلّا حلّت إعظاما له، ثم جلس فتحمّل جميع ما كان بين الأحياء من الديات في ماله، وانصرف.
وكان [6] إمامنا مالك بن أنس رحمه الله أحد الأجواد، قال الشافعي:
رأيت على باب داره دوابّ من أفراس خراسان جاءته هدية، ما رأيت قطّ أحسن منها، فقلت: ما أحسن هذه! فقال: هي هدية منّي إليك، فقلت: دع لنفسك منها دابّة تركبها، فقال: إنّي لأستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة.
(1) من سراج الملوك 76بتصرف إلى آخر الخبر وهو في عيون الأخبار 3/ 333332والكامل 1/ 139والمستجاد 209208وجاء في ثمار القلوب 532 (ت. أبو الفضل) أن الذي أرسل هو قتيبة بن مسلم إلى هزار بن القعقاع.
(2) ج: فبعث، وهو غلط.
(3) أب ج ش هـ و: ضرار بن القعقاع بن دارم، وهو غلط والتصحيح من المستجاد وجمهرة الأنساب 233.
(4) زيادة من الكامل 1/ 139.
(5) الشّملة: كساء يشتمل به (اللسان: شمل) .
(6) الخبر في إحياء العلوم 1/ 25وسرح العيون 262.