فهرس الكتاب
شيئا ألذّ من غيظ أتجرّعه. ولم يعرف قيمة الأبّهة من لم يجرّعه الحلم غصص الغيظ. وأغلظ [1] له رجل في القول فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال إنّي لا أحول [2] بين النّاس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. وقيل له [3] : هل ذممت عاقبة الحلم أم هل حمدت عاقبة إقدام؟ فقال: ما حلمت عن لئيم إلّا أعقبني ندما ولا أقدمت على كريم وإن كان عدوا لي إلّا أعقبني أسفا.
ومن أعجب [4] ما يوثر من أخباره في الحلم وسعة الصّدر ما يروى أنّه قدم عليه شيخ أعرابيّ يستحمله [5] ، وكان قد نصب في طريقه، فرأى جماعة من الناس على معاوية مقبلين، فلم يقدر على كلامه، فدار من خلفه، فقعد من خلف السّتر، وجعل يخفق [5] برأسه لما لقي من تعبه فنام. وتفرّق الناس عن معاوية، فلما أمسوا خرج معاوية لصلاة المغرب، ثم رجع فتعشّى وخرج لصلاة العشاء، والشيخ نائم لا يعلم حتى ذهب هدء من الليل، فدخل معاوية إلى أهله. فانتبه الشيخ لمّا أصابه برد الليل، فإذا هو بالسّرج [6] وليس في البيت أحد سواه فرام الخروج من الدار، فإذا الباب مغلق، فاسترجع [7] وقال: جئت أطلب الخير فالآن أوخذ [8]
ويظنّ أنّي جئت أغتال معاوية فجعل يطلب مكانا يختبئ فيه إلى أن يصبح، فدخل
(1) الخبر في تاريخ الطبري 5/ 336والكامل في التاريخ 4/ 13 (ط. صادر) .
(2) أب ج ش هـ و: إني لا حول. (لا حول) غلط، والتصحيح من تاريخ الطبري.
(3) لم أعثر على هذا الخبر في المظان.
(4) الخبر في سراج الملوك 62
(5) استحملته نفسه: حمّله حوائجه وأموره. قال زهير:
ومن لا يزل يستحمل النّاس نفسه ... ولا يغنها يوما من الدهر، يسأم
خفق يخفق أي ينام حتى يسقط ذقنه على صدره (اللسان: حمل، خفق) .
(6) السّرج جمع سراج وهو المصباح (اللسان: سرج)
(7) استرجع أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. (اللسان: رجع)
(8) حاشية أ: = خ أوخذ =. أب ج: أواخذ.