فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 321

قال الأستاذ الشيخ محمد عبده - رحمه الله:"هذا النوع الذى تحكيه الآيات من صد اليهود عن الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية في البشر ، وهى أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه . وقد وفقه هذا ، هرقل ، ملك الروم ، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبى صلى الله عليه وسلم أ ، قال له:"هل يرتد أحد ن أتباع محمد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا . وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا: لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه ، واطلعوا على بواطنه وخوافيه ، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته ، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب"."

هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات متعددة كلها تدور حول المعنى الذى قررناه .

ومن هذه الروايات ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال في قوله - تعالى - { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ } . . ألخ قال بعض أهل الكتاب لبعض:"أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار ، واكفروا آخره فغنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم ما تكرهونه في دينهم ، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم".

وعن السدى: كان - هؤلاء - أحبار قرى عربية ، اثنى عشر حبرا ، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار ، وقولوا: نشهد أن محمدا حق صادق . فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم ، لعلهم يشكون ، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم؟ فأخبر الله - عز وجل - رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك"."

والمعنى: { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب } أى: فيما بينهم ليلبسوا على الضعفاء أمر دينهم { آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار } أى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا التصديق بالإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم - وبما أنزل عليه وعلى أصحابه من قرآن { وَجْهَ النهار } أى في أول النهار .

وسمى أول النهار وجها ، لأنه أول ما يواجهك منه ، وأول وقت ظهوره ووضوحه . وقوله { واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } معطوف على { آمَنُواْ } .

أى: آمنوا في أول النهار واكفروا في آخره ، بأن تعودوا إلى اليهودية ، أملا في أن ينخدع بحيلتكم هذه بعض المسلمين ، فيشكوا في دينهم ، ويعودوا إلى الكفر بعد دخولهم في الإسلام .

وقوله { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } كشف عن مقصدهم الخبيث ، وهو ابتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل .

قال الفخر الرازي:"والفائدة في إخبار الله - تعالى - عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه:"

الأول: أن هذه الحيلة كانت مخيفة فيما بينهم ، وما أطلعوا عليها أحدًا من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزًا .

الثانى: أنه - تعالى - لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف .

الثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس"."

ثم حكى - سبحانه - لونا من عصبيتهم وتعاونهم على الإثم والعدوان فقال تعالى: { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ } .

وقوله - سبحانه - حكاية عنهم { وَلاَ تؤمنوا } معطوف على قوله - تعالى - في الآية السابقة { آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ } .

وقد فسر بعضهم { وَلاَ تؤمنوا } بمعنى ولا تقروا ، أو ولا تعترفوا؛ فتكون اللام في قوله { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أصلية .

وعليه يكون المعنى: أن بعض اليهود قد قالوا لبعض: أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره ، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض المسلمين على أن يتركوا دينهم الإسلام ، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ولم يكتفوا بهذا القول بل قالوا أيضا على سبيل المكر والخديعة ، ولا تقروا ولا تعترفوا بأن أحدًا من المسلمين أو من غيرهم يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة والفضائل ، أو بأن أحدا في قدرته أن يحاججكم أى يبادلكم الحجة عند ربكم يوم القيامة ، ولا تقروا ولا تعترفوا بشىء من ذلك"إلا لن تبع دينكم"أى إلا لمن كان على ملتكم اليهودية دون غيرها .

فالمستثنى منه على هذا التفسير محذوف ، والتقدير: ولا تؤمنوا أى تقروا وتعترفوا لأحد من الناس بأن أحدًا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدًا يحاججكم عند ربكم إلا لمن تبع دينكم ، لأن إقراركم بذلك أمام المسلمين أو غيرهم ممن هو على غير ملتكم سيؤدى إلى ضعفكم وإلى قوة المسلمين .

فهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين والفضائل عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذى أرسله الله رحمة للعالمين ، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، قد تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة ، ولا يظهروا ذلك إلا فيما بينهم ، وصدق الله إذ يقول في شأنهم { الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لللآية بهذا الوجه فقال:"قوله { وَلاَ تؤمنوا } بمعنى ولا تصدقوا أو ولا تعتقدوا ، فتكون اللام في قوله { لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } زائدة للتقوية ."

فيصير المعنى على هذا الوجه: أن بعض اليهود قد قالوا لبعض: أظهروا الإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل عملكم هذا يجعل بعض المسلمين يترك دينه ويعود إلى الكفر الذى كان عليه ، ولا تصدقوا أن أحدا من البشر يؤتى مثل ما أتيتم يا بنى إسرائيل من الكتاب والنبوة ، أو أن أحدا في قدرته أن يحاججكم عند ربكم فأنتم الأعلون في الدنيا والآخرة وأنتم الذين لا تخرج النبوة من بينكم إلى العرب ، وما دام الأمر كذلك فلا تتبعوا إلا نبيًا منكم يقرر شرائع التوراة ، أما من جاء بتغيير شىء من أحكامها أو كان من غير بنى إسرائيل كمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تصدقوه .

فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله"أحد"المذكور في الآية ، والمستثنى هو قوله { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } .

والتقدير: ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند ربكم { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أى إلا من كان على ملتكم اليهودية ، أما أن يكون من غيركم كهذا النبى العربى فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة ، لأنهما - في زعمهم - حكر على بنى إسرائيل .

فهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين قد أوتوا كتابًا ودينًا وفضائل مثل ما أوتوا هم أى اليهود ، ويرون أنفسهم - لغرورهم وانطماس بصيرتهم - أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر .

وعلى كل من الوجهين يكون قوله - تعالى - { أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ } حكاية من الله - تعالى - لما تواصى به بعض اليهود فيما بينهم من أقوال خبيثة ، وأفكار ماكرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت