فإذا سمع المسلمون هذا احسوا مدى النعمة وقيمة المنة في اختيار الله لهم , واختصاصه إياهم بهذا الفضل . واستمسكوا به في إعزاز وحرص , وأخذوه بقوة وعزم , ودافعوا عنه في صرامة ويقين , وتيقظوا لكيدالكائدين وحقد الحاقدين . وهذا ما كان يربيهم به القرآن الكريم والذكر الحكيم . وهو ذاته مادة التربية والتوجيه للأمة المسلمة في كل جيل .
وفي التفسير الوسيط:
وقوله - تعالى - { وَدَّت } من الود وهو محبة الشىء وتمنى حصوله ووقوعه .
أى تمنت وأحبت جماعة من أهل الكتاب إضلالكم وإهلاككم عن الحق - أيها المؤمنون - وذلك بأن ترجعوا عن دين الإسلام الذى هداكم الله إليه ، إلى دين الكفر الذى يعتنقه أولئك الكافرون من أهل الكتاب .
ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحسدهم عند هذا التمنى ، بل تجاوزوه إلى إلقاء الشبهات حول دين الإسلام ، وإلى محاولة صرف بعض المسلمين عن دينهم .
قال القرطبى: نزلت هذه الآية - في معاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع إلى اليهودية .
والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم ومن للتبعيض وهى مع مجرورها في محل رفع نعت لطائفة .
و { لَوْ } فى قوله { لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } مصدرية أى ودت طائفة من أهل الكتاب إضلالكم . وقوله { وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } جملة حالية .
أى: والحال أنهم ما يضلون أى ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم واستيلاء الأهواء على قلوبهم ، وإبثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا يفطنون له ، لأنهم قد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوة حسنا .
وأما النداء الثالث الذى اشتملت عليه هذه الآيات فهو قوله: { ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } .
أى: لماذا تكفرون بآيات الله - تعالى - التى يتلوها عليكم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والحال أنكم تعلمون صدقها وصحتها علما يقينا كعلم المشاهدة والعيان ، وتعرفون أنه نبى حقا كما تعرفون أبناءكم .
والاستفهام في قوله { لِمَ تَكْفُرُونَ } لتوبيخهم والتعجيب من شأنهم ، وإنكار ما هم عليه من كفر بأيات الله مع علمهم بصدقها .
وفى هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه من علم كان يقتضى منهم أن يسارعوا إلى الإيمان لا أن يكفروا بآيات الله الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم والتى تتناول القرآن الكريم ، والحجج والمعجزات التى جاءهم بها صلى الله عليه وسلم .
ثم وجه إليهم - سبحانه - نداء رابعا نهاهم فيه عن الخلط بين الحق والباطل وعن كتمان الحق بعد أن نهاهم قبل ذلك عن الكفر بالآيات فقال - تعالى -: { ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل وَتَكْتُمُونَ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
وقوله: { تَلْبِسُونَ } أى تخلطون من اللبس - بفتح اللام - أى الخلط وفعله ليس من باب ضرب .
تقول: ليست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بينه بمشكلة وحقه بباطله في ستر وخفاء .
أى: يا أهل الكتب لماذا تخاطلون الحق الواضح الذى نطقت به الكتب السماوية ، وأيدته العقول السليمة ، بالباطل الذى تخترعونه من عند أنفسكم إرضاء لأهوائكم؟ ولماذا تكتمون الحق الذى تعرفونه كما تعرفون أبناءكم بغية انصراف الناس عنه ، لأن من جهل شيئًا عاداه .
وفى تكرير النداء والاستفهام زيادة في توبيخهم ولإنكار ما هم عليه ، والتعجيب من شأنهم ، ذلك لأنهم جمعوا أفحش أنواع الرذائل التى على رأسها كفرهم بآيات الله وخلطهم الحق بالباطل وكتمان الحق عمن يريده .
ولدعاة الضلالة طريقتان في إغواء الناس .
إحداهما: طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهى المشار إليها بقوله - تعالى { لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } .
والثانية: طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر ، وهى المشار إليها بقوله - تعالى -: { وَتَكْتُمُونَ الحق } .
وقد استعمل أهل الكتاب الطريقتين لصرف الناس عن الإسلام فقد كان بعضهم يؤول نصوص كتبهم الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم تأويلا فاسدًا يخلط فيه الحق بالباطل ليوهموا العامة أنه ليس هو النبى المنتظر ، وكان بعضهم يلقى حول الحق شبها ليوقع ضعفاء الإيمان في حيرة وتردد ، وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم أو التى لا توافق أهواءهم .
وقوله: { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } جملة حالية . أى وأنتم تعلمون أن ما أخفيتموه وما لبستموه هو الحق ، أو وأنتم من ذوى العلم ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق ويخلطه بالباطل ، وإذا كان هذا الفعل يعد من كبائر الذنوب حتى ولو وقع من شخص عادى فإن وقعه يكون أقبح وفساده أكبر وعاقبه أشأم متى صدر من عالم فاهم يميز بين الحق والباطل .
قال أبو حيان: وهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهى عن اللبس والكتم ، إلا أنها لا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل إذا الجاهل بحال الشىء لا يدرى كونه حقا أو باطلا . وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل .
وبعد هذه النداءات المتكررة لأهل الكتاب ، والحجج الباهرة التى ساقها لهم على صحة هذا الدين والتوبيخات المتعددة التى وبخهم بها لانصرافهم عن الحق ومحاولتهم صرف غيرهم عنه بعد كل ذلك ، أخذ القرآن في سرد بعض المسالك الخبيثة التى سلكها اليهود لكيد الإسلام والمسلمين فبدأ ببيان مسلك لئيم من مسالكهم الكثيرة ، وهو أن بعضهم كان يظهر الإيمان لفترة من الوقت ثم يرجع عنه إلى الكفر ، ليوهم ضعاف العقول أنه ما رجع عن الإسلام إلا بعد أن دخله فوجده دينا ليس بشىء - في زعمه - .
استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك لكى يطلع أتباعه على مسالك اليهود ومكرهم حتى يحذروهم ، فيقول: { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ . . . } .
أنت إذا تأملت في هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل الكتاب طريقة ماكرة لئيمة ، هى تظاهرهم بالإسلام لفترة من الوقت ليحسن الظن بهم من ليس خبيرا بمكرهم وخداعهم ، حتى إذا ما اطمأن الناس إليهم جاهروا بكفرهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه ، ليوهموا حديثى العهد بالإسلام أو ضعاف الإيمان ، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة ، وأنهم ليس عندهم أى عداء للنبى صلى الله عليه وسلم بل إن الذى حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم في الإسلام وجدوه دينا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والاختبار وإمعان النظر في دين الإسلام .
ولا شك أن هذه الطريقة التى سلكها بعض اليهود لصرف بعض المسلمين عن الإسلام من أقوى ما تفتق عنه تديبرهم الشيطانى ، لأن إعلانهم الكفر بعد الإسلام ، وبعد إظهارهم الإيمان به ، من شأنه أن يدخل الشك في القلوب ويوقع ضعاف الإيمان في حيرة واضطراب ، خاصة وأن العرب - في مجموعهم - قوم أميون ومنهم من كان يعتقد أن اليهود أعرف منهم بمسائل العقيدة والدين . فيظن أنهم ما ارتدوا عن الإسلام إلا بعد اطلاعهم على نقص في تعاليمه .
والمتتبع لمراحل التاريخ قديما وحديثا يرى أن الدهاة في السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب في صفوف أعدائه .