فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 321

وفي خلال القرون المتطاولة دسوا - مع الأسف - في التراث الإسلامي ما لا سبيل إلى كشفه إلا بجهد القرون ! ولبسوا الحق بالباطل في هذا التراث كله - اللهم إلا هذا الكتاب المحفوظ الذي تكفل الله بحفظه أبد الآبدين - والحمد لله على فضله العظيم .

دسوا ولبسوا في التاريخ الإسلامي وأحداثه ورجاله . ودسوا ولبسوا في الحديث النبوي حتى قيض الله له رجاله الذين حققوه وحرروه إلا ما ند عن الجهد الإنساني المحدود . ودسوا ولبسوا في التفسير القرآني حتى تركوه تيها لا يكاد الباحث يفيء فيه إلى معالم الطريق . ودسوا ولبسوا في الرجال أيضا . فالمئات والألوف كانوا دسيسة على التراث الإسلامي - وما يزالون في صورة المستشرقين وتلاميذ المستشرقين الذين يشغلون مناصب القيادة الفكرية اليوم في البلاد التي يقول أهلها:إنهم مسلمون . والعشرات من الشخصيات المدسوسة على الأمة المسلمة في صورة أبطال مصنوعين على عين الصهيونية والصليبية , ليؤدوا لأعداء الإسلام من الخدمات ما لا يملك هؤلاء الأعداء أن يؤدوه ظاهرين !

وما يزال هذا الكيد قائما ومطردا . وما تزال مثابة الأمان والنجاة منه هي اللياذ بهذا الكتاب المحفوظ ; والعودة إليه لاستشارته في المعركة الناشبة طوال هذه القرون .

كذلك يعرض بعض المحاولات التي يبذلها فريق من أهل الكتاب لبلبلة الجماعة المسلمة في دينها , وردها عن الهدى , من ذلك الطريق الماكر اللئيم:

(وقالت طائفة من أهل الكتاب:آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون . ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم . . .) . .

وهي طريقة ماكرة لئيمة كما قلنا . فإن إظهارهم الإسلام ثم الرجوع عنه , يوقع بعض ضعاف النفوس والعقول وغير المتثبتين من حقيقة دينهم وطبيعته . . يوقعهم في بلبلة واضطراب . وبخاصة العرب الأميين , الذين كانوا يظنون أن أهل الكتاب أعرف منهم بطبيعة الديانات والكتب . فإذا رأوهم يؤمنون ثم يرتدون , حسبوا أنهم إنما ارتدوا بسبب إطلاعهم على خبيئة ونقص في هذا الدين . وتأرجحوا بين اتجاهين فلم يكن لهم ثبات على حال .

وما تزال هذه الخدعة تتخذ حتى اليوم . في شتى الصور التي تناسب تطور الملابسات والناس في كل جيل . .

ولقد يئس أعداء المسلمين أن تنطلي اليوم هذه الخدعة , فلجأت القوى المناهضة للإسلام في العالم إلى طرق شتى , كلها تقوم على تلك الخدعة القديمة .

إن لهذه القوى اليوم في أنحاء العالم الإسلامي جيشا جرارا من العملاء في صورة أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين - وأحيانا كتاب وشعراء وفنانين وصحفيين - يحملون أسماء المسلمين , لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة ! وبعضهم من"علماء"المسلمين !

هذا الجيش من العملاء موجه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب , في صورة بحث وعلم وأدب وفن وصحافة . وتوهين قواعدها من الأساس . والتهوين من شأن العقيدة والشريعة سواء . وتأويلها وتحميلها ما لا تطيق . والدق المتصل على"رجعيتها"! والدعوة للتلفت منها . وإبعادها عن مجال الحياة إشفاقا عليها من الحياة أو إشفاقا على الحياة منها ! وابتداع تصورات ومثل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات العقيدة ومثلها . وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية . وإطلاق الشهوات من عقالها وسحق القاعدة الخلقية التي تستوي عليها العقيدة النظيفة لتخر في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثرا ! ويشوهون التاريخ كله ويحرفونه كما يحرفون النصوص !

وهم بعد مسلمون ! أليسوا يحملون أسماء المسلمين ? وهم بهذه الأسماء المسلمة يعلنون الإسلام وجه النهار . وبهذه المحاولات المجرمة يكفرون آخره . . ويؤدون بهذه وتلك دور أهل الكتاب القديم . لا يتغير إلا الشكل والإطار في ذلك الدور القديم !

وكان أهل الكتاب يقول بعضهم لبعض:تظاهروا بالإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل المسلمين يرجعون عن دينهم . وليكن هذا سرا بينكم لا تبدونه ولا تأتمنون عليه إلا أهل دينكم:

(ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) . .

وفعل الإيمان حين يعدى باللام يعني الاطمئنان والثقة . أي ولا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم , ولا تفضوا بأسراركم إلا لهؤلاء دون المسلمين !

وعملاء الصهيونية والصليبية اليوم كذلك . . إنهم متفاهمون فيما بينهم على أمر . . هو الإجهاز على هذه العقيدة في الفرصة السانحة التي قد لا تعود . . وقد لا يكون هذا التفاهم في معاهدة أو مؤامرة . ولكنه تفاهم العميل مع العميل على المهمة المطلوبة للأصيل ! ويأمن بعضهم لبعض فيفضي بعضهم إلى بعض . . ثم يتظاهرون - بعضهم على الأقل - بغير ما يريدون وما يبيتون . . والجو من حولهم مهيأ , والأجهزة من حولهم معبأة . . والذين يدركون حقيقة هذا الدين في الأرض كلها مغيبون أو مشردون !

(ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) . .

وهنا يوجه الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن أن الهدى هو وحده هدى الله ; وأن من لا يفيء إليه لن يجد الهدى أبدا في أي منهج ولا في أي طريق:

(قل:إن الهدى هدى الله) . .

ويجيء هذا التقرير ردا على مقالتهم: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) تحذيرا للمسلمين من تحقيق الهدف اللئيم . فهو الخروج من هدى الله كله . فلا هدى إلا هداه وحده . وإنما هو الضلال والكفر ما يريده بهم هؤلاء الماكرون .

يجيء هذا التقرير قبل أن ينتهي السياق من عرض مقولة أهل الكتاب كلها . . ثم يمضي يعرض بقية تآمرهم بعد هذا التقرير المعترض:

(أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم , أو يحاجوكم عند ربكم) . .

بهذا يعللون قولهم: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) . . فهو الحقد والحسد والنقمة أن يؤتي الله أحدا من النبوة والكتاب ما آتى أهل الكتاب . وهو الخوف أن يكون في الاطمئنان للمسلمين وإطلاعهم على الحقيقة التي يعرفها أهل الكتاب , ثم ينكرونها , عن هذا الدين , ما يتخذه المسلمون حجة عليهم عند الله ! - كأن الله سبحانه لا يأخذهم بحجة إلا حجة القول المسموع ! - وهي مشاعر لا تصدر عن تصور إيماني بالله وصفاته ; ولا عن معرفة بحقيقة الرسالات والنبوات , وتكاليف الإيمان والاعتقاد !

ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ليعلمهم - ويعلم الجماعة المسلمة - حقيقة فضل الله حين يشاء أن يمن على أمة برسالة وبرسول:

(قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء , والله واسع عليم . يختص برحمته من يشاء , والله ذو الفضل العظيم) . .

وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب ; بعد ما خاسوا بعهدهم مع الله ; ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم ; وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل ; وتخلوا عن الأمانة التي ناطها الله بهم ; وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم ; وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب الله بينهم . وخلت قيادة البشرية من منهج الله وكتابه ورجاله المؤمنين . . عندئذ سلم القيادة , وناط الأمانة , بالأمة المسلمة . فضلا منه ومنة . (والله واسع عليم) . . (يختص برحمته من يشاء) . . عن سعة في فضله وعلم بمواضع رحمته . . (والله ذو الفضل العظيم) . . وليس أعظم من فضله على أمة بالهدى ممثلا في كتاب . وبالخير ممثلا في رسالة . . وبالرحمة ممثلة في رسول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت