فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 321

ثم قال: { فَعَفَوْنَا عَن ذلك } يعني لم نستأصل عبدة العجل { وآتينا موسى سلطانًا مبينًا } يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار اللجاج والعناد معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم أمره وضعف خصمه ، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التنبيه ، والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم ، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم: فأحدها: أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم ، وفيه وجوه: الأول: أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين . ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع ، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق . الثاني: أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا ، وصار المعنى: ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين . الثالث: أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد ، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } . وثانيها: قوله: { وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب سُجَّدًا } ومضى بيانه في سورة البقرة . وثالثها: قوله { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِى السبت وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { لاَ تَعْدُواْ فِى السبت } ، فيه وجهان: الأول: لا تعدوا باقتناص السمك فيه قال الواحدي: يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان ، أي ظلمه وجاوز الحد ، ومنه قوله { فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا } [ الأنعام: 108 ] الثاني: لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر ، والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت ، كأنه قال لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق .

المسألة الثانية: قرأ نافع { لاَ تَعْدُواْ } ساكنة العين مشددة الدال ، وأراد: لا تعتدوا ، وحجته قوله { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت } [ البقرة: 65 ] فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا ، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر ، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغمًا ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة ، وقيل لهم ، ويقولون: إن المد يصير عوضًا عن الحركة ، وروى ورش عن نافع { لاَ تَعْدُواْ } بفتح العين وتشديد الدال ، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين ، والباقون { تَعْدُواْ } بضم الدال وسكون العين حقيقة .

المسألة الثالثة: قال القفال: الميثاق الغليظ هو العهد المؤكد غاية التوكيد ، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة .

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في متعلق الباء في قوله { فَبِمَا نَقْضِهِم } قولان الأول: أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا ، لعنادهم وسخطنا عليهم ، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب ، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن . الثاني: أن متعلق الباء هو قوله { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } [ النساء: 160 ] وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } بدل من قوله { فِمَا نَقْضِهِم } .

واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان: أحدهما: أن من قوله { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } إلى قوله { فَبِظُلْمٍ } الآيتين بعيد جدًا ، فجعل أحدهما بدلًا عن الآخر بعيد . الثاني: أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جدًا لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة .

المسألة الثانية: اتفقوا على أن ( ما ) في قوله { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } صلة زائدة ، والتقدير: فبنقضهم ميثاقهم ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } [ آل عمران: 159 ] .

المسألة الثالثة: أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور: أولها: نقض الميثاق . وثانيها: كفرهم بآيات الله ، والمراد منه كفرهم بالمعجزات ، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل ، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله . وثالثها: قتلهم الأنبياء بغير حق ، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة . ورابعها: قولهم { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } وذكر القفال فيه وجهين: أحدهما: أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين ، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف ، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا ، فكذبوا الأنبياء بهذا القول . والثاني: أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطى بالغلاف أي بالغطاء ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون ، نظيره ما حكى الله في قوله { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } [ فصلت: 5 ] .

ثم قال تعالى: { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } .

فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبيّن أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها ، وهذا يليق بمذهبنا ، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية ، وهذا يليق بمذهب المعتزلة ، إلاّ أن الوجه الأول أولى ، وهو المطابق لقوله { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } .

ثم قال: { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } أي لا يؤمنون إلاّ بموسى والتوراة ، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم ، وإلاّ فقد بيّنا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل ألبتة .

وخامسها: قوله: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيمًا } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت