فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 321

اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول: كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول ، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر ، والقدح في وجود الصانع المختار ، فالقوم لا شك أنهم أولًا: أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ، وثانيًا: نسبوا مريم إلى الزنا ، فالمراد بقوله { وَبِكُفْرِهِمْ } هو إنكارهم قدرة الله تعالى ، وبقوله { وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيمًا } نسبتهم إياها إلى الزنا ، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف ، وإنما صار هذا الطعن بهتانًا عظيمًا لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دلّ على براءتها من كل عيب ، نحو قوله { وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } [ مريم: 25 ] ونحو كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلًا منفصلًا عن أمه ، فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة ، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم ، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال: { سبحانك هذا بهتان عَظِيمٌ } [ النور: 16 ] وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم عليها السلام .

وفي الظلال:

(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء) . . .

فلا عليك من هذا التعنت ; ولا غرابة فيه ولا عجب منه:

(فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا:أرنا الله جهرة) .

ولم تبلغ الآيات البينات التي أظهرها الله لهم على يد موسى نبيهم أن تلمس حسهم ; وتوقظ وجدانهم وتقود قلوبهم إلى الطمأنينة والاستسلام ; فإذا هم يطلبون رؤية الله - سبحانه - عيانا ! وهو مطلب طابعة التبجح الذي لا يصدر عن طبع خالطته بشاشة الإيمان ; أو فيه استعداد للإيمان .

(فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) . .

ولكن الله - سبحانه - عفا عنهم ; وتقبل فيهم دعاء موسى عليه السلام وضراعته إلى ربه ; كما ورد في السورة الأخرى (فلما أخذتهم الرجفة , قال:رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي . أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ? إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء . أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين . واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة . إنا هدنا إليك . . .) .

(ثم اتخذوا العجل - من بعد ما جاءتهم البينات -) .

عجل الذهب , الذي صاغه لهم السامري , مما كانوا قد أخذوه - حيلة - من نساء المصريين وهم خارجون من مصر - فإذا هم يعكفون عليه ; ويتخذونه إلها في غيبة موسى عنهم في مناجاة ربه , في الموعد الذي حدده له , لينزل عليه الألواح فيها هدى ونور .

(فعفونا عن ذلك) . .

ولكن اليهود هم اليهود . لا يفلح معهم إلا القهر والخوف:

وآتينا موسى سلطانا مبينا . ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم . وقلنا لهم:ادخلوا الباب سجدا . وقلنا لهم:لا تعدوا في السبت . وأخذنا منهم ميثاقا غليظًا . .

والسلطان الذي آتاه الله موسى هو - في الغالب - الشريعة التي تضمنتها الألواح , فشريعة الله سلطان من الله ; وكل شريعة غير شريعة الله ما أنزل الله بها من سلطان ; وما جعل فيها من سطوة على القلوب . لذلك تستهين القلوب بالشرائع والقوانين التي يسنها البشر لأنفسهم , ولا تنفذها إلا تحت عين الرقيب وسيف الجلاد . فأما شريعة الله فالقلوب تخضع لها وتخنع ; ولها في النفس مهابة وخشية . .

ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح . . وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة . إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم ; تهددهم بالوقوع عليهم ; إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم الله من العهد ; وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح . . عندئذ فقط استسلموا ; وأخذوا العهد ; وأعطوا الميثاق . . ميثاقا غليظا . . مؤكدا وثيقا . . يذكره - بهذه الصفة - ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم , وغلظ القلب الذي في صدورهم , ثم يعطي - إلى جانب التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير , وبالتخييل الحسي والتجسيم .

وكان في هذا الميثاق:أن يدخلوا بيت المقدس سجدا . وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيدا . ولكن ماذا كان ? إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم ; وغياب القهر لهم , تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه , وكفروا بآيات الله , وقتلوا أنبياءه بغير حق . وتبجحوا فقالوا:إن قلوبنا لا تقبل موعظة , ولا يصل إليها قول , لأنها مغلفة دون كل قول ! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها الله سبحانه على رسوله وعلى المسلمين - في مواجهة اليهود - في سياق هذه الآيات . .

فبما نقضهم ميثاقهم , وكفرهم بآيات الله , وقتلهم الأنبياء بغير حق , وقولهم قلوبنا غلف . . .

وعند قولهم: (قلوبنا غلف) . . وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إما تيئيسا له من إيمانهم واستجابتهم , وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم , وتبجحا بالتكذيب وعدم الإصغاء , وإما هذا وذلك معا . . عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم:

(بل طبع الله عليها - بكفرهم - فلا يؤمنون إلا قليلا -)

فهي ليست مغلفة بطبعها . إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع الله على قلوبهم , فإذا هي صلدة جامدة مغطاة , لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته , فلا يقع منه الإيمان , إلا قليلا , ممن لم يستحق بفعله , أن يطبع الله على قلبه . أي أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه , فهداهم الله إليه ورزقهم إياه . وهم قلة قليلة من اليهود . كعبد الله بن سلام , وثعلبة بن سعية , وأسد بن سعية , وأسد بن عبيدالله . .

وفي التفسير الوسيط:

ذكر المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب } . . الخ ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرطى قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله فقالوا: يا محمد ، إن موسى جاء بالألواح من عند الله ، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى نصدقك . فأنزل الله - تعالى - { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب } . إلى قوله { وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا } وعن السدى: قالت اليهود: يا محمد ، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى .

وعن قتادة: أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا ، تأمر بتصديقه واتباعه .

والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة ، بدليل سياق الأيات الكريمة التى ذكرت أوصافا تنطبق عليهم ، وبدليل ما ذكرناه في سبب نزول الآيات .

والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد ، أن تنزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة في الألواح جملة . أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء تأمرهم بتصديقك ، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود ، ولو كانوا يريدون الإِيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة؛ لأن الأدلة القاطعة قد قامت على صدقك .

وعبر بالمضارع في قوله { يَسْأَلُكَ } لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال ، حتى لكأن السامع يراهم ، وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت