يعني هذا بعبارة أخرى أن صورة الله عز وجل لدى القائلين بالرحمة والفضل هي صورة الحرية المتبادَلة، وفيها أن الله سبحانه منزهٌ تنزيهًا مطلقًا عن الشبه بالبشر، وعن الخضوع لمقاييسهم (كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك) ؛ لكنه رحمةً وتفضلًا منه أرسل الرسالات، واختار العناية بسائر الكائنات التي خلقها، ولا إلزام له بذلك إلا بما سمى به نفسه، من ضمن مشيئته وقدرته وإرادته، وحسبما اقتضته حكمته واقتضاه تفضله، ومقاصده التي لا تُدرك. وفي مقابل هذه الحرية المطلقة لله، هناك الحرية النسبية للإنسان بين الإيمان والكفر، والصلاح والفساد، مع وجود النصوص أو التعاليم التي تبين لهذا الإنسان طريقي الخير والشر، وعواقب اختيار أحد الطريقين. لكن في هذا اللاهوت شيء من الجبرية (من خلال القضاء والقدر) ، وشيء من الاتكالية (تبقى في نطاق عناية الله ورحمته مهما فعلتَ) .
أما في اللاهوت الآخر، لاهوت التنزيه والعدل، والذي سميناه لاهوت الالتزام المتبادَل؛ فإن الله والإنسان كليهما يتمتع بالحرية؛ لكنهما مثقلان بالالتزامات المترتبة عليهما: على الله الالتزام بما ألزم به نفسه (يسميه المعتزلة الوعد والوعيد) ، فليس من العدل أو التنزيه أن يهدي الله إنسانًا دون آخر، ولا أن يرحم مذنبًا، ولا أن يثيب مؤديًا للفرائض والتعاليم. على الله الالتزام بوعده ووعيده ولا يستطيع الإخلال بذلك أو تنتفي صورة الألوهية عنه.
وفي المقابل الإنسان هو الذي يخلق أفعاله التي لا علاقة لها بالقضاء والقدر، وهو لذلك مسؤول مسؤولية كاملة. وهكذا فالإيمان نعمة ورحمة وتفضل من الله لدى أهل لاهوت الرحمة، وواجب وحق لدى أهل لاهوت التنزيه والعدل. والنعمة والرحمة والعناية تتخذ أبعادًا كبرى لدى المتكلمين اليهود بحيث تصل إلى اختيار الله لهم شعبًا ودينًا وليس أفرادًا، والاختيار والاصطفاء والاتخاذ قوي أيضًا لدى البروتستانت لكنه فردي.
وفي المقابل يبلغ لاهوت الواجب أحيانًا لدى المعتزلة وبعض الكاثوليك والأرثوذكس حدود وضع الله في ضبطية عقلية محكمة تجاه الإنسان بالذات: يجب على الله كذا، ولا يجوز له أو عليه كذا!. بيد أن مسألة الوجود الإلهي المتعالي في الديانات الإبراهيمية فرضت مشتركات رغم اختلافات اللاهوتيين. إذ لا بد من تصور إمكان قيام علاقة بين الطرفين: الإلهي المتعالي والمتفرد من جهة، والإنساني من جهة ثانية؛ ولذلك كانت هُوامات الصوفية والقبالة والغنوص، والتي ما استطاع اللاهوت الرسمي قبولها؛ لأنها تتجاوز كل المؤسسات الدينية وتلغي الكهنوت بادعاء وحدة الوجود أو الحلول أو الصلة المباشرة بين الله والإنسان خارج القناة (القانونية) : النبوات والكتب، وفي المسيحية: تجاه تجسد الله نفسه!. ولذلك قال المتكلمون المسلمون بقياس الغائب على الشاهد، وتبعهم في ذلك المتكلمون اليهود، واللاهوتيون الكاثوليك وإلى حد ما الأرثوذكس. وقياس الغائب (الله) على الشاهد (عقل الإنسان وقيمته وإدراكاته) يعني إقامة صلة من نوع ما بين المطلق والنسبي من خلال صفاته بالقدرة والعناية (لدى الأشاعرة والكاثوليك) ، ومن خلال أفعاله بما يسمونه اللطف (لدى المعتزلة والمتأثرين بهم من المتكلمين اليهود والأرثوذكس) .
ما فائدة هذا الاستطراد كله؟
فائدته أن البابا يتحدث عن اختلاف في صورة الله بين المسيحيين وغيرهم من أتباع ديانتي التوحيد، وخاصة الإسلام، لأن اليهودية تجاوزت"عنفية"يهوه بالدخول في الميراث اليوناني العقلاني أيضًا. وهذا تأويل للتاريخ اللاهوتي لا يعرفه غيره، وقد لا يقول به غير قداسته. فاللاهوت الكاثوليكي الوسيط مبني كله على المباني التي عرفها المتكلمون المسلمون، وأدخلوا فيها الكاثوليك واليهود، وإلى حد أقل الأرثوذكس والسريان، لأن الفرقتين الأخيرتين عرفتا الميراث اليوناني والمنطق اليوناني قبل المسلمين، وقد هربت الكاثوليكية فالأرثوذكسية من الأفلاطونية إلى نصف أرسطية خوفَ الغرق في الغنوص الذي كافح ضده آباء الكنيسة الأوائل ووقع فيه أوغسطين وغيره وما كادوا يخرجون منه، ولولا المؤسسة الكنسية القائمة سلطتها على سلطة الدولة أو بموازاتها لصارت الكاثوليكية بالذات دينًا غنوصيًّا آخر مثل غنوصيات الأزمنة الهيللينية. فالتجربة مع الإغريق في اللاهوت الأفلوطيني والأرسطي هي تجربة مشتركة بين الديانات التوحيدية، ولا ينفرد بها المسيحيون الأوربيون أو الكاثوليك بالذات الذين أخذوها عن المسلمين أو شاركوهم فيها!.
وهكذا فالعقلنة في المسيحية عقلنة محدودة وتتركز في المؤسسة التنظيمية والسلطوية، وليس في اللاهوت المدرسي، الذي ظل مشتركا بين الإسلام والمسيحية واليهودية (لاهوت موسى بن ميمون يميل للأشعرية. لكن في السنوات الأخيرة جرى اكتشاف عدة نصوص معتزلية كانت متداولة لدى الفرق اليهودية في بغداد ومصر والأندلس) .
فمن أين أتت الخصوصية المسيحية المستنيرة التي يتحدث عنها البابا في صورة الله، والتي يُدخل فيها اليهود، ويُخرج منها المسلمين؟
ليس من اللاهوت الكاثوليكي بالتأكيد، وليس من تاريخ الكنيسة بالتأكيد؛ بل من التجربة الإنسانوية الأوربية في القرون الأربعة الأخيرة، والتي صارت عالمية عبر مقولة"الحق الطبيعي"للإنسان. وبهذا المعنى تغيرت صورة الإنسان، وصورة العالم، فتغيرت صورة الله لدى البابا بعد نضال فاتيكاني وبابوي في الإصلاح المضاد، استمر على مدى ثلاثة قرون!. والحداثة التي دخلها البروتستانت وبعض اليهود قبل الكنيسة الكاثوليكية هي التي أعادت طرح كل هذه المسائل، واضطرت المؤسسة الكاثوليكية الصلبة والمتضائلة حتى مطالع القرن العشرين للدخول والمنافسة من جديد مستفيدة لإعادة التموضع داخل العصر من سلبيات راديكاليات الإنسانويين غير الإنسانية!.
تجريد اللاهوت من الأثر اليوناني
ويباشر البابا معالجة مسألة الأزمنة الحديثة أو نقد الحداثة قبل الوصول إلى الخاتمة والاستنتاجات. وهو يرى أن المَعْلم الرئيسي فيما يتعلق بالتفكير الديني خلال أربعة قرون وحتى القرن العشرين، كان ما يزال: نزع الهَلْينة أو تجريد اللاهوت والفكر الديني المسيحي من التأثيرات الفلسفية اليونانية عليه. وقد مرت العملية حتى العصر الحاضر بثلاث مراحل.
في المرحلة الأولى: مرحلة عصر الإصلاح (البروتستانتي) يقول البابا: إن الغرض من وراء ذلك كان العودة إلى سذاجة وحرارة الإيمان، بالاستناد للنص نفسه مجردًا عن أغطيته الفلسفية. وقد دخل في ذلك ليس اللاهوتيون فقط بل والفلاسفة من مثل عمانوئيل كانط الذي أراد أن يضع الفكر الفلسفي جانبًا، ليفسح المجال للإيمان.
وفي المرحلة الثانية مرحلة اللاهوت الليبرالي التي امتدت حتى القرن العشرين ظهر لاهوتيون كبار مثل أدولف فون وهارناك تابعوا تلك العملية وأسسوها على مقولة باسكال في التفرقة بين إله الفلاسفة وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.