فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 321

وتابع البابا قائلًا: إن هارناك أراد استرجاع حرارة الرسالة الأولى للسيد المسيح التي غرقت في خضم التدقيقات اللاهوتية والتفلسف الهيلليني. وزاد الأمر راديكالية دخول عصر التصنيع وزمان التكنولوجيا حيث صار الهمّ الوصول إلى اعتبار اللاهوت علمًا؛ استنادًا إلى إدخاله في"علم التاريخ"من جهة، وإلى قياس دقته وعلميته، ودقة العلوم الإنسانية الأخرى: على دقة العلوم البحتة والتطبيقية. ولأن اللاهوت المتصل بالإيمان ليس بالأمر الذي يمكن إخضاعه للتجربة؛ فقد أُخرج سؤال الله عمليًّا من المجال العلمي الحي والمتطور؛ وصار الدين يُدرس باعتباره نظامًا وضعيًّا.

ثم دخلت المرحلة الثالثة في نزع الهلينة، وهي المرحلة المعاصرة، في عصر التعددية الثقافية. وفي هذه المرحلة قيل إن التهلين المسيحي تم في أزمنة سالفة، وفي ظروف منقضية. ولذلك ينبغي السماح للمسيحيات والمسيحيين الجدد أن يمارسوا شخصياتهم وظروفهم وسياقاتهم كما مارسها المتهلينون في أزمنة سالفة؛ بحيث ينتجون دينهم الخاص المتلائم مع تقاليدهم الثقافية الخاصة في زمان التعددية. والبابا يرى في ذلك شذوذًا وانعدامًا للمعقولية. فالهلينة بالنسبة للمسيحية ليست غطاءً مستعارًا يمكن نزعه؛ بل إنها صارت جزءًا من الإيمان المسيحي نفسه.

ويختم البابا المحاضرة عن"العقل والإيمان"بالدعوة إلى العودة للعقل الفلسفي، وليس الاكتفاء بقصر العقل والمعقولية على منتجات التجربة المباشرة ومقاييسها. وهو يرى أن ذلك لا يعني التنكر للتكنولوجيا أو لعصر الأنوار قبلها؛ بل البناء عليهما. فلا بد من تصحيح علاقة العقل بالإيمان، من طريق الاعتراف المتبادل والنظر إيجابًا في تاريخية العلاقة والتقاليد الدينية المختلفة، وخاصة المسيحية. لا بد من العودة لتأمل كلمة الإمبراطور مانويل الثاني:"الإقدام على التصرف بدون معقولية، مناقض لطبيعة الله".

يحمّل البابا المسؤولية فيما آل إليه أمر الدين إذن لأولئك الذي أصروا على"نزع الهَلْينة"أو إلغاء اللاهوت منذ القرن السادس عشر. وهو قسّم ذلك في ثلاث مراحل بدءًا بالقرن السادس عشر. يتحمل البروتستانت مسؤولية المرحلتين الأوليين، ويتحمل العلمانيون والتجريبيون التعدديون مسؤولية المرحلة المعاصرة. وهذه - مرة ثانية وثالثة - نظرةٌ متفردة أو خاصة في فهم تطور التفكير بشأن الدين في أوربا في القرن السادس عشر تتمثل في ثلاث: علاقة الدين في الحياة الإنسانية، وعلاقة الكنيسة بالدولة، وعلاقة العقل بالإيمان، وأخيرًا منزلة الدين في الحياة الإنسانية. الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر وما بعد، أثار مسألة علاقة الدين والخلاص بالمؤسسة (الدينية) ، أي الكنيسة الكاثوليكية. وقد سبقته تمردات كثيرة على السلطة الكنسية منذ القرن الثالث عشر، الذي انتهت فيه الحروب الصليبية. وقد لجأت البابوية في قمعها إلى الاستنصار بجيوش الملوك"المؤمنين"، وجيوش الفاتيكان نفسه. وأكملت ذلك بإنشاء محاكم التفتيش. وهكذا فما كان الأمر أمرَ نزع الهلينة، بل هل الدين (أو الإيمان) ممكن بدون المؤسسة، ويعتبر التمرد على المؤسسة تمردًا على الدين والإيمان.

وقد ثبت خَطَل هذه الرؤية. فقد انتصرت البروتستانتية التي أضعفت المؤسسة، دون أن يضعُف الدين أو الإيمان. وما استطاعت البابوية في القرنين السادس عشر والسابع عشر أن تنهي التمرد البروتستانتي بخلاف ما حدث للتمردات السابقة؛ لأن الدولة كانت قد انفصلت بالتدريج عن الكنيسة؛ فما عاد بوسعها شن حروب صليبية في الخارج، ولا فرض سيطرتها بواسطة جيوش الملوك المسيحيين في الداخل الأوربي.

وهكذا ففي المرحلة الأولى ما كان السؤال سؤال ماهية اللاهوت، بل ضرورة المؤسسة (الكاثولكية) لبقاء الدين المسيحي. وقد كانت الكنيسة تستخدم النظام اللاهوتي المدرسي لتثبيت سيطرتها في العالم المسيحي، ومن الطبيعي عندما تتزعزع السيطرة، أن يتصدع البناء اللاهوتي الذي يدعمها أو يعطيها المشروعية.

أما السؤال الآخر، الذي طرح في القرن الثامن عشر، أو ما عرف بعصر الأنوار، فكان يتصل بعلاقة الإيمان بالعقل. كان هناك العقلانيون الملحدون الذين اعتبروا أن الدين في طريقه للزوال، وأن الباقي هوامات فردية وشخصية. وقد بلغ هذا النوع من الفكر ذروته في راديكاليات الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر. بيد أن المفكرين الجديين من أمثال كانط وهيغل وهوبز ولوك ولايبنتز واسبينوزا فما كانت عندهم أوهام حول إمكان اختفاء الدين أو الإيمان الديني. لكنهم ما عادوا يرون إمكان استمرار"اللاهوت العقلي"، أي تأسيس الإيمان الفردي على البرهان اللاهوتي الأفلاطوني أو الأرسطي. ومن هنا فقد عادوا إلى أطروحة ابن رشد التي كان المتكلمون واللاهوتيون قد نحوها جانبا كما سبق ذكره ولصالح اللاهوت المعقلن للغزالي وتوما الأكويني. قال ابن رشد بحقيقة إيمانية وأخرى برهانية. الأولى تتعلق بعالم الدين والإيمان، والأخرى تتعلق بعالم الكون والفساد، أو الحس والتجربة. البابا يعتبر ذلك تهميشًا للسؤال الديني، لأنه ما يزال مهجوسا بدور اللاهوت المؤسسي، لكنه من جهة أخرى لا يستطيع اعتبار ذلك مرحلة أخرى في تجريد الدين من أسلحته الفلسفية أو الفكرية.

فالواقع أن كانط وهيغل واسبينوزا كانوا بذلك يحمون الإيمان الديني العميق من شطحات التنويريين الراديكاليين (أمثال هيوم وفيرباخ ونيتشه) وتشددات الحروفيين الإنجيليين، وليس من بقايا الكنيسة الكاثولكية. وقد أضيف لذلك في القرنين التاسع عشر والعشرين، إحساس علماء كبار بأن الإيمان العلمي أو العلم (بالرياضيات والعلوم الطبيعية) أسقط الحاجة للدين أو للإيمان، وما عادت للدين غير فائدة ضئيلة في المسائل الأخلاقية. لقد تبلورت رؤية جديدة للعالم في الوقت الذي كانت فيه الكاثولكية ما تزال منهمكة في الدفاع عن سلطة الكنيسة، وليس عن الإيمان الديني.

لماذا يشعر البابا بالجزع؟

لماذا يشعر البابا بالجزع؟ إنه خائف من تضاؤل دور الدين في الحياة العامة الأوروبية. بيد أن التجربة الأوروبية مع الدين في القرون الأخيرة، خاصةٌ وليست عالمية. وما يجري في الولايات المتحدة وآسيا وإفريقيا شاهد واضح على ذلك. ففي سائر القارات ( بما في ذلك بعض أنحاء أوروبا) تمدد ديني إيماني وثوران ديني، وليس تضاؤلا للدين والإيمان. ولذلك فإن الحل الذي يقترحه (إعادة تعريف العقل ودوره) لا يتلاءم والواقع المتطور. كأنما هو ما يزال محبطا لما كان في حقبة ما بين الحربين، وحقبة الحرب الباردة. لقد تغير الزمان، وما عادت العلمانيات الراديكالية هي المشكلة، بل الديانات الجديدة غير المؤسسية. والخوف مشروع ومبرر لهذه الجهة، وإن يكن الشك كبيرا في إمكان نجاح المؤسسة الدينية لدى أهل الديانات الثلاث، في العودة لقوتها وعزها. هناك معاناة كبيرة في من الإحيائيات والأصوليات المنفلتة من عقالها، والتي لا تشعر بالحاجة إلى أي بعد مؤسسي أو انضباط من أي نوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت