لقد انهار اللاهوت المدرسي الكاثوليكي في القرن الثامن عشر نهائيا. كما انهارت المؤسسة الدينية لدى اليهود الأرثوذكس بعد أواسط القرن العشرين، وكذلك الأشعرية السنية. وتعملقت الإحيائيات من دون لاهوت ولا علم كلام. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الأديان الإبراهيمية كلها. وقد أدرك البابا السابق يوحنا بولس الثاني هذا الأمر، فوضع الكاردينال راتسينجر رئيسا لمجمع الإيمان ليُحكم القبضة على الكنيسة الكاثولكية فلا تتشقق في عصر التحولات الكبرى. وانصرف هو منذ مطلع الثمانينات إلى مصارعة الشيوعية في أوروبا الشرقية، ومنذ مطلع التسعينيات إلى مكافحة الأنظمة الشمولية والمهيمنة الأخرى، والدعوة للحرية الإنسانية والود الإنساني، ومصارعة الفقر والظلم والأدواء البشرية السارية، ومخاطبة ومحاورة أتباع الديانات الأخرى، الذين اعتبرهم حلفاء وشركاء في الإيمان، وفي المصير الإنساني الكبير.
أمسك البابا يوحنا بولس بنبض التاريخ وراح يشارك في صنعه. أما البابا الحالي فيريد أن يتموضع في أوربا، طارحًا من جديد الأسئلة التي جرى تجاوزها قبل قرن وأكثر. ولا شك أن المشكلات الأكبر واقعة اليوم بداخل الكنيسة الكاثوليكية، ليس بسبب هجوم الإنجيليين الجدد والمولودين ثانية عليها فقط؛ بل أيضًا بسبب تفاقم القضايا المحتاجة لحلول منذ ثلاثة عقود ونيف. إنها عوالم جديدة تطل عليها البشرية جمعاء، ولا تنفع فيها لاهوتيات الهيللينيين ولا المصالحات المقترحة بين العقل والإيمان.
العلاقة بين محاضرة البابا والإسلام
يتبين من الاستعراض التفصيلي لمحاضرة البابا بنديكتوس السادس عشر وسياقاتها، ليس أنه لا علاقة لها بالإسلام، كما بدا لي لأول وهلة، بل أنها معنية باستعادة أوربا إلى المسيحية، واستعادة المسيحية إلى أوربا. وللمشروع نفسه بغض النظر عن صحته وإمكانه وطرائق الوعي به، علائق وثيقة بالإسلام يبدو لأول وهلة أيضًا أنها - أي تلك العلائق- غير مباشرة، وليس الأمر كذلك. ولكي لا يبقى ما أقصده عن العلاقة الوثيقة بين محاضرة البابا والإسلام عرضة للتأويلات سأبدأ بترجمة الفقرة التمهيدية التي ورد فيها ذكر الإسلام في المحاضرة:
"كنت أقرأ نشرة البروفسور (عادل) تيودور خوري (من جامعة مونستر) لقسم من حوار (ربما جرى عام 1391 في الثكنات العسكرية الشتوية على مقربة من أنقرة) بين الإمبراطور (البيزنطي) العالم مانويل الثاني باليولوغوس، ومثقف فارسي (مسلم) في موضوع المسيحية والإسلام، والحقيقة المتضمنة في كل منهما. وربما كان الإمبراطور نفسه هو الذي سجل ذلك الحوار خلال حصار القسطنطينية بين العامين 1394 و1402، وهذا ربما يعلل سبب ذكر حججه بالتفصيل، دونما اهتمام لافت بإجابات العالم الفارسي. والحوار يتوسع إلى ما وراء حدود البنى العقدية في الإنجيل والقرآن، ليركز بخاصة على صورة الله والإنسان، راجعا عندما يكون ذلك ضروريا، إلى العلائق بين"الشرائع الثلاث": العهد القديم والعهد الجديد والقرآن."
في هذه المحاضرة أريد أن أناقش نقطة واحدة ـ ربما كانت هامشية في الحوار المذكور نفسه ـ هي سياقات علاقة"الإيمان والعقل"وقد وجدت أنه من الممكن أن يكون ذلك السياق الحواري مفيدا في تأملاتي حول المسألة.
في المحادثة السابعة (من الجدال...) والتي نشرها البروفسور خوري، يعالج الإمبراطور موضوع الجهاد (الحرب المقدسة) . ومن المؤكد أن الإمبراطور كان يعرف الآية القرآنية (2:256) والتي تقرر أنه"لا إكراه في الدين". وسورة البقرة هذه إحدى السور القرآنية المبكرة، عندما كان (النبي) محمد ما يزال بدون قوة ونفوذ، وواقعا تحت التهديد، لكن من الطبيعي أن يكون الإمبراطور عارفا بالتعاليم الإسلامية التي تطورت فيما بعد وسجلها القرآن، بشأن الحرب... وبدون مقدمات تفصيلية حول الفروق في التعامل مع"أهل الكتاب"والآخرين"المشركين"، يلتفت الإمبراطور إلى محاوره بشكل مفاجئ وقاس طارحا السؤال الأساسي في العلاقة بين الدين والعنف بشكل عام؛ يقول الإمبراطور:"أرني ما هو الجديد الذي أتى به محمد، وسوف تجد أشياء كلها شريرة وغير إنسانية، من مثل أمره بنشر الدين بالسيف".
ثم يمضي الإمبراطور شارحا بالتفصيل الأسباب التي تجعل من نشر الإيمان بالعنف تصرفا غير عقلاني، لا يتفق العنف مع الطبيعة الإلهية، ولا مع طبيعة الروح:"لا يحب الله سفك الدم، والتصرف غير العقلاني مُناقض لطبيعة الله". فالإيمان يبزغ من الروح وليس من الجسد، بيد أن الذين يريدون نشر الإيمان،"يحتاجون إلى قدرة على الحديث الجيد، والتأمل بعقل، وبدون عنف وتهديدات... ومن أجل إقناع روح عاقلة، لا يحتاج المرء إلى ذراع قوية، ولا إلى سلاح من أي نوع، كما لا يحتاج إلى تهديد أي شخص بالموت...".
إن الحجة البارزة في هذا الجدال ضد الإرغام على الإيمان أن الداعية الذي يتصرف بخلاف العقل، إنما يتصرف بخلاف طبيعة الله. ويلاحظ البروفسور خوري معلقا: بالنسبة للإمبراطور البيزنطي ذي الثقافة الفلسفية الإغريقية؛ فإن هذا الأمر بديهي. أما في تعاليم الإسلام فإن الله متعال علوا مطلقا، وكما أن إرادته ليست مقيدة أو متعلقة بأي مبدأ آخر بما في ذلك مقاييس العقل نفسه. وهنا عاد خوري للاقتباس من دارس فرنسي معروف للإسلاميات هو روجيه أرنالديز ذكر عن ابن حزم أن الأخير ذهب بعيدا في تنزيه الله إلي حدود القول إن الله ليس مقيدا حتي بكلمته ( وعد ووعيده؟) و ليس هناك ما يوجب عليه حتي إنزال الوحي وإرسال النبيين . وبمقتضي هذا الفهم فقد تكون عباده الأوثان داخلية ضمن نطاق مشيئة الله"ا. هـ."
أوردت هذا الاقتباس بطوله لكي يكون واضحا ما هو السياق الذي تعرض فيه البابا للإسلام وللنبي. وقد انصرف مباشرة بعد ذلك لمناقشة مسألة الإيمان والعقل كما ذكرت في العرض التفصيلي السابق للمحاضرة. وأرى أن هناك أربعة أمور تستحق الاعتبار والنقاش في هذا الصدد وهي:
-السياق والظروف التي جرى فيها الجدال المفترض بين الإمبراطور البيزنطي والعالم الفارسي.
-الموضوعات الواردة في الحوار أو الجدال .
-فهم عادل تيودور خوري والبابا لموضوعات الجدال و تداعياتها .
-وأخيرًا دلالات هذا الاقتباس من جانب البابا في هذه الظروف بالذات .
لجهة السياق والظروف التي جرى فيها الجدال أو الحوار بين الإمبراطور والفارس المسلم، الأمر واضح. فقد دأب العثمانيون بعد الاستيلاء على الأناضول في مطلع القرن الرابع عشر، على قضم ممتلكات الدولة البيزنطية حتى أكملوا الاستيلاء على آسيا الصغرى، والممتلكات الأخرى بشرق أوروبا والبلقان، وفي الجزر الإيطالية وما بقي في النهاية غير القسطنطينية التي حاصروها مرارًا دون أن يتمكنوا من الاستيلاء عليها. وما كان مانويل التاني باليولوغوس ( واللقب معناه العلامة بالكتب ) رجل دولة كبيرا، ولكنه كان مثقفا بالثقافة الإغريقية والكنسية، وعارفًا بالإسلام. وفي الحصار الطويل الثاني للقسطنطينية وأنقرة من جانب السلطان بايزيد الثاني ( 1391-1402م) كانت هناك فرصة لدي الإمبراطور لمقابلة الكثير من المسلمين من رسل السلطان، ومن الأسرى، ومن الوسطاء، ولذلك فقد يكون ممكنًا لقاؤه وجداله مع عالم مسلم من أصل فارسي.