بيد أن الدعوى التي أوردها بشأن نشر الإسلام بالسيف ليست جديدة علي الجدال البيزنطي ضد الإسلام، والذي بدأ في القرنين الثامن والتاسع للميلاد، ويتضمن أربع دعاوى رئيسية: أن الإسلام دين يقول بالقوة في نشر العقيدة، وأنه مستغرق في اللذائذ الحسية، وأنه يتضمن نزعة جبرية، وأنه استلب العقائد المسيحية وشوهها أو قلبها رأسا علي عقب، وقد كان بوسع الإمبراطور - لو أراد - أن يكون أكثر إنصافا، إذ كان يعرف أن صراعه مع العثمانيين، وصراع العرب مع البيزنطيين من قبل ما كان على نشر الدين، بل كان صراعا سياسيا وعسكريا من أجل السيطرة والفتح، وكان يعرف ذلك ولا شك ليس من القرآن فقط، بل ومن الممارسة، فحتى عصر الحروب الصليبية كانت أكثرية السكان ببلاد الشام ومصر ما تزال مسيحية (أرثوذكسية أو سريانية) رغم خضوعها للسيطرة الإسلامية على مدي ستة قرون، وذلك الأمر بالنسبة لسكان آسيا الصغرى في عصر الإمبراطور، إذ كانت غالبيتهم ما تزال مسيحية، لكنه في الواقع ما كان يستطيع الإقرار بالانفصال بين الفتح العسكري ونشر الإسلام، وهو محاصر، ويسمع نداءات الجهاد. وقد أقبل على متابعة الصراع مع المسلمين في جدالياته بعد أن انفك الحصار عنه لأن تيمور لنك هاجم العثمانيين وقتها أتيا من الشام، ومن أسيا الوسطي، وانتهى الأمر بهزيمة السلطان بايزيد وأسره من جانب تيمور لنك وإطالة عمر الدولة البيزنطية خمسين عاما إلى أن سقطت القسطنطينية أخيرا بيد العثمانيين عام 1453.م.
إن الأخطر في جداليات مانويل الثاني ضد الإسلام ربطه بين العنف باسم الدين وبين"صورة الله"في الإسلام. والعنف من وجهة نظره ضد العقل، والله عقل أو نوس أو لوغوس (بالمفهوم الأفلاطوني أو الأفلوطيني) ، والذي يعتبره مانويل الثاني (وعادل خوري والبابا) جوهر الدين المسيحي أيضا.
والواقع أن في الأمر ثلاث مغالطات أو إسقاطات: فالعنف في نشر الدين ليس غريبًا عن الميراث الديني البيزنطي (تجاه البلغار والشعوب السلافية والمتوسطية الأخرى) ، ثم إن الحرب ليست جزءًا من صورة الله عز وجل في الإسلام. أما الإسقاط الثالث فيتعلق بالبابا بنديكتوس؛ إذ عندما تورد اقتباسًا فلأنك توافق عليه أو تريد الرد عليه؛ فهو ما رد عليه ولذلك فقد يكون قصده أن الخيار الإسلامي خيار عنيف وغير صالح لما هو بصدده من توفيق بين الدين المسيحي والحداثة في أوربا.
وهكذا فإن الخطل في فهم الأمر كله، لا يظهر لدى الإمبراطور المحاصَر من جيوش إسلامية في مطلع القرن الخامس عشر؛ بقدر ما يظهر لدى البروفسور خوري والبابا بنديكتوس في مطالع القرن الواحد والعشرين.
هناك موضوعات ثلاثة تستحق المعالجة في هذا السياق: صورة الله عز وجل في الإسلام، ومعنى الجهاد قديمًا وحاضرًا، وصورة الجهاد والإسلام في الظروف العالمية الراهنة. وفي هذه الأمور الثلاثة أخطأ الرجلان الكبيران؛ فالذات الإلهية المتسامية والمتعالية والمنزهة في علم الكلام الإسلامي تقصد إلى الإطلاق، ولا تقصد إلى اللامعقولية. وهذا معروف ليس في علم الكلام الإسلامي فقط، بل وفي اللاهوتين اليهودي والمسيحي بكافة تياراته. وقد استُخدم الميراثان الأفلاطوني والأرسطي لدى اللاهوتيين المسيحيين للإمعان في التنزيه؛ لأن العهد القديم يعرض صورة حسية عنيفة لله، ولأن الإله تجسد في المسيحية. والبروفسور خوري والبابا عالمان لاهوتيان كبيران في الدينين المسيحي واليهودي، والبروفسور خوري يدرّس الإسلاميات منذ أربعين عامًا، وله عشرات الكتب في صورة الإسلام قديمًا وحديثًا. ولذلك يصبح عجيبًا أن لا يجد غير اقتباس عن ابن حزم (بواسطة أرنالديز) للتدليل على"الإغراب"في تنزيه الله عند المسلمين، كأنما ذلك غير معروف لدى المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك!.
وكيف لا يعرف - وهو المفسر الكبير للقرآن - العلاقة بين قوله تعالى: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) ، وقوله: (كتب على نفسه الرحمة) ؟! ثم كيف يتصل"الجهاد"العنيف بصورة الله التي تصبح أفلاطونية خالصة لدى المعتزلة بالذات (ذات بدون صفات) الذين يحبهم البروفسور خوري؟!.
وما دام الحديث عن القرآن؛ فأين هو الموضع في القرآن الذي يَرد فيه ذكر الجهاد أو الحرب مجردًا وليس لرد اعتداء، وأين يرد ذكر الجهاد على أنه لنشر الدين الإسلامي أو فرض اعتناقه على المغلوبين؟! ويعلل البابا - تبعًا لتيودور خوري- اتهام الإمبراطور للمسلمين بنشر الدين بالعنف رغم مخالفة ذلك للآية القرآنية؛ بأن الآية نزلت في ظروف ضعف النبي وأن الإسلام شهد تطورات سجلها القرآن تغير فيها هذا الحكم؛ أين هي التدوينات القرآنية المتأخرة التي تقول بنشر الإسلام بالسيف؟ !
أنا أفهم أن مانويل الثاني كان يعتبر جدالياته جزءًا من الدفاع عن نفسه ودولته في مواجهة المسلمين الهاجمين عليه (وإن ليس باسم الدين) ؛ لكنني لا أفهم هذه التسويغات للاهوتيَّين الكبيرين (تيودور والبابا) في القرن الحادي والعشرين!.
ظروف المحاضرة ودلالاتها
ولنأتِ إلى الظروف والدلالات. فمنذ مطالع التسعينيات من القرن الماضي تتضخم مصائر أطروحة"صراع الحضارات"، ويقول هنتنغتون وآخرون كثيرون: إن الإسلام يملك حدودًا أو تخومًا دموية. وبعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م صار الإسلام مشكلة عالمية باعتباره يملك تيارًا أصوليًّا قويًّا يقول بالعنف (تحت اسم الجهاد) وعلى مستوى العالم. وفي الأسابيع الأخيرة استعمل الرئيس جورج بوش تعبير"الفاشية الإسلامية"بدلا من"الجهادية الإسلامية". وقد عمل البروفسور خوري طوال العقود الأربعة الماضية على تصحيح النظرة للإسلام في أوربا والغرب، وفي أوساط الكنيسة الكاثوليكية بالذات. وعُرف عن البابا السابق يوحنا بولس الثاني وعيُهُ الكبير لهذه المسألة؛ ولذلك ففي الوقت الذي كان يُدين فيه حروب أميركا بالعراق وفلسطين وأفغانستان؛ كان يُصرُّ على محاورة المسلمين، وعلى اعتبار أن طبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين هي التي ستقرر مصائر العالم.
وليس هذا وعي البابا الحالي فيما يبدو. ليس لأنه معاد للإسلام؛ بل لأنه يملك رؤية انكماشية هدفها استعادة أوربا وتحصينها بالإيمان المسيحي. لقد حيَّد البابا بنديكتوس اليهودية بضمها إلى الميراثين اليوناني والمسيحي، ثم انصرف لكسب البروتستانت والعلمانيين لرؤيته الانكفائية أو الاكتفائية، لكن المسيحية دين عالمي كبير وشاسع. والمسيحيون (حتى الكاثوليك) عددهم أكبر خارج أوربا منه في أوربا كما هو معلوم. ولذلك فإن انكماشيته ستزيد من مشكلات المسيحيين الكاثوليك في أوربا وخارجها.
إن هذا المشروع المتضائل للفاتيكان يتجلى في إقدام البابا على تغيير اسم"لجنة حوار الأديان"إلى"لجنة حوار الثقافات". وهذا تراجع عن نتائج المجمع الفاتيكاني (1962-1965) والتي تضمنت اعترافًا بالديانات الإبراهيمية وشراكة معها، وحوارًا تعارفيًّا مع الأديان الأخرى. وكانت المجلة الفاتيكانية الشهيرة:"إسلامو-كريستيانا"التي يصدرها الفاتيكان قد توقفت أيضًا. وكل ذلك لا يَعد بخير وانفتاح وتواصل. فالمشكلة ليست في رؤية البابا السلبية للإسلام. بل وفي الانكماش والانطوائية والتوجس من الآخر، وإدخال هذا الدين العالمي الكبير في مشروع وهمي هو مشروع أوربا المسيحية؛ أما الذي كان البابا يوحنا بولس الثاني يحاول القيام به فهو إقامة عالم جديد تسوده قيم الحرية والعدالة والسلام، ومكافحة الفقر والجوع والتفاوت الاجتماعي والتفكك الأسري.