فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 321

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى أن تاريخ المسلمين ليس ممتلئًا بأعنف صور التدمير الحضاري ، والإبادات الجماعية ، واستغلال خيرات الشعوب ، والسطو على مقدراتها ، وأن المسلمين لم ينشئوا محاكم التفتيش ، ولم يبيدوا الهنود الحمر ، ولم يستعبدوا الزنوج ، ولم يستعمروا الشعوب ، ولا أدلّ على ذلك من الغزو الفرنجي للعالم الإسلامي قديمًا باسم الحروب الصليبية ، وحديثًا باسم الحرية والديمقراطية

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى أن الإسلام لم يكن هو السبب الذي لأجله اندلعت حربان عالميتان قتل فيهما ما لا يقل عن ثمانين مليون إنسان ، وعشرات ملايين المعاقين

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى أن المسلمين ليسوا هم الذين قرروا قصف مدينة هيروشيما و ناغازاكي في اليابان ، بالقنبلة الذرية فقتل ثلاثمئة ألف إنسان في ثوان معدودات ، ولم يكن المسلمون هم الذين استخدموا أسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليًا كالقنابل الذكية ، والعنقودية والفسفورية ، وقنابل اليورانيوم المخضب ، لقتل النساء والأطفال والشيوخ ، وتدمير الجسور والمنشآت ، والبنية التحتية لشعب أعزل ضعيف ، والمسلمون لم يعذبوا المساجين الوطنيين الذين قاوموا الاحتلال في العراق بطريقة يندى لها جبين الإنسانية

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى أن الإسلام ليس عقيدة الذين هاجروا إلى بلاد بعيدة وتحدثوا كثيرًا عن الحرية ، بعد أن أبادوا عشرات الملايين من سكانها الأصليين ،فالمسلمون لا يعرفون التطهير العرقي الذي اعترف به الغربيون حينما قالوا: إننا حينما استأصلنا الهنود الحمر في أمريكا ، والإنكليز حين استأصلوا سكان أستراليا الأصليين ، نجحنا في حسم المعركة، إذن ليس عند هؤلاء الأقوياء مبادئ ولا قيم ، ولا شعور إنساني ، إنما الذي عندهم سيناريو متقن أو غير متقن ، وصفقة كبيرة أو صغيرة

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى أن المسلمين لا يرمون آلاف الأطنان من الحبوب و كل صنوف المواد الغذائية في البحار ، ولا يعرفون إتلاف المحاصيل الزراعية حفاظًا على أسعارها المرتفعة ، وتسميمها خوفًا من أن يأكلها الفقراء مجانًا فيقل الطلب على شرائها ، والمسلمون لا يعرفون إطلاق النار على عشرين مليونًا من الأغنام ودفنها تحت الأرض حفاظًا على أسعارها المرتفعة ، في الوقت الذي تموت فيه بعض الشعوب جوعًا بعد أن فتكتفيها المجاعات ، وهي في أمس الحاجة إلى اللحوم والألبان والمحاصيل

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى المسلمينلا يرسلون نفاياتهم الذرية إلى الشعوب الضعيفة التي فتكت فيها المجاعات والحروب الأهلية مصحوبة ببعض المساعدات الغذائية حتى تسبب لها الأمراض السرطانية بشكل وبائي ولآلاف السنين

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى المسلمين لا يسمحون بتجريب الأدوية على شعوب متخلفة ضعيفة وكأنهم فئران تجارب ليدرؤوا عن شعوبهم خطر الأدوية التي لم تثبت سلامتها

ولكن لابد من همسة في أذن المسلمين لماذا ندين الأقوال ، ولا ندين الأفعال ، أو على الأقل نتغاضى عنها ؟ ألم تسخّر الكثير من الجهات العربية والإسلامية كل طاقاتها الإعلامية والثقافية والدعائية والفقهية والقمعية لاقتلاع مفهومات الدين الصحيحة من عقول المسلمين ؟ لماذا نطلق عشرات القنوات الفضائية الهابطة ، أليس لإفساد العقول وتمييع الشباب وتزييف الوعي ؟ ماذا كان هدف تلك المحطات الإعلامية التي تحاصرنا من كل حدب وصوب سوى إخصاء المجتمعات الإسلامية ، وتحويلها إلى راقصين وراقصات ، وماجنين وماجنات ، وفاسدين وفاسدات ، ومخنثين ومخنثات ؟ هل هناك هدف لمعظم وسائل الإعلام التي تبث عبر الأقمار سوى الحض على الفساد والإفساد ، والابتعاد عن المفهوم الحقيقي للإسلام ؟

أيهما أخطر على الإسلام والمسلمين جملة قالها الحبر الأعظم ، أم الضخ الإعلامي اليومي وغسل الأدمغة العربية والإسلامية بطريقة منظمة وممنهجة وتطهيرها من قيم النخوة والعزة والإباء والحمية والكرامة ؟

أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني

والحمد لله رب العالمين

الحمد لله رب العالمين ، واشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين

ليس خافيًا أن توقيت هذه الإساءة جاء في مرحلة يمكن أن تسبب انفجارا واسع النطاق ، على مستوى صراع الأديان ، أو صدام الحضارات ، أو أن تضيف على الأقل احتقانا عقديا إلى احتقانات عقدية وإنسانية وسياسية سابقة ، فتصنف هذه الإساءة مع القذائف القاتلة ، وتضيع محاولات رأب الصدع ، تحت تأثير تنوع الضربات ، وتعدد مصادرها .

فلا يمكن القبول بأن كلمات قداسة البابا هي زلة لسان ، أو كلمات أسيء فهمها ، فهذا لا ينتظر من قداسته ، لاسيما أنه يحمل درجة الدكتوراه والأستاذية في علم الأديان ، وأنه لم يرتجل كلمته ، بل ورد كلامه من محاضرة ، نصها مكتوب أمامه ، خضع للمراجعة والتنقيح والضبط مثلما هي عادة كل بحث علمي يقدمه أستاذ جامعي متخصص ، قبل أن يكون رجل الكنيسة الكاثوليكية الأول في روما ، ورئيس دولة الفاتيكان

ولعل القصد من كلمات قداسة البابا ـ وأرجو أن أكون مخطئًا ـ أن يدفع المسلمين إلى التطرف ، لأن تطرف الغرب وإرهابه الدولي والمنظم يحتاج إلى تطرف إسلامي مستمر ، ليكون تبريرًا لمتابعة خططه التي لا يستطيع إعلانها ، فإن لم يكن هناك تطرف إسلامي دفع هؤلاء القادة السياسيون والقادة الروحيون المسلمين إليه ، أو صنعوه هم ونسبوه إليهم ، بطريقة أو بأخرى

وقد شرح هذه التحليل ، وذاك التفسير السيد الرئيس في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد بكوالالامبور في ماليزيا مؤخرًا ، فقال في خطابه:

في الثمانينات كانوا في الغرب يدعمون التطرف الإسلامي وليس الإسلام ، أما اليوم فهم يحاربون الإسلام لا التطرف الإسلامي ولو تساءلنا لماذا يحارب هؤلاء المتعصبون الإسلام وهو دين العدل والمحبة والتسامح لكان الجواب البديهي لأن الإسلام الحقيقي هو الذي يمنع التطرف ، لأنه دين الاعتدال ، وهؤلاء المتعصبون يتمنون ويعملون عكس ما يعلنون ، من انتهاك للسيادة ، والحصار الاقتصادي ، إلى الاجتياح الثقافي ، والتمويل السري لبعض الهيئات لاستمرار واتساع التطرف الإسلامي ، أو أي تطرف آخر ، لأنه المعادل الموضوعي لتطرفهم ، والمبرر الأكيد لبقائهم في مواقع السيطرة في مناطق عديدة في هذا العالم ، فالتطرف يعيش على تطرف مقابل وهو يضمحل في بيئة الاعتدال .

إن علينا أن نعزز الدين الإسلامي الصحيح عقيدة وسلوكا ففيه تحصين للإسلام والمسلمين وإضعاف لأعدائهم وهذا يبدأ بمكافحة وتجنب كل الممارسات الشاذة الناجمة عن فهم خاطئ للدين والتي تسيء إليه بشكل مباشر وتعطي الآخرين من أصحاب النيات السيئة الحجة والمبرر لوصف الإسلام بشتى الصفات السلبية واللا إنسانية. وان كنا نرفض وبقوة كل المحاولات التي تجعل من صفة الإرهاب خاصة بالدين الإسلامي فإننا نرفض وبنفس القوة كل محاولة لربط الممارسات الخاطئة لبعض الأفراد بديانة أو حضارة معينة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت