فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 321

وكنا نتمنى على قداسة البابا قبل أن يتبنى قول إمبراطور بيزنطي جاهل بأقدار الأنبياء أن يطلع على ما كتبه الفيلسوف الروسي تولستوي الذي انبهر بشخصية النبي صلى الله عليه و سلم و ظهر ذلك واضحًا على أعماله فيقول في مقالة له بعنوان من هو محمد: إن محمدًا هو مؤسس و رسول و كان من عظماء الرجال الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة ، و يكفيه فخرًا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق و جعلها تجنح إلى السكينة و السلام و منعها من سفك الدماء وفتح لها طريق الرقي و المدنية و هو عمل عظيم لا يقدم عليه إلا شخص أوتي قوة و رجل مثله جدير بالاحترام و الإجلال ، وقد قدمت بعثته خدمة كبيرة للبشرية فقد أرست دعائم الصلح ، والاستقرار ، والرخاء ، وفتحت طريق الحضارة والرقي للأجيال ،

ومثل هذا الشخص ـ و بلا شك ـ يستحق كل إكرام و تقدير واحترام

وكنا نتمنى على قداسة البابا قبل أن يتبنى قول إمبراطور بيزنطي جاهل بأقدار الأنبياء أن يطلع على ما كتبه الباحث الغربي واسمه بعد إسلامه كمال الدين ، قال: كان محمد قائمًا على أعظم دعوة شهدتها الأرض ، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل ، وتغلغلت في كيانه كله ، ورأى الناس الرسول الكريم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة ، فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها ، ورأوها متمثلة فيه ، ولم يقرؤها في كتاب جامد ، بل رأوها في بشر متحرك ، فتحركت لها نفوسهم ، وهفت لها مشاعرهم ، فكان أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل ، و كان هاديًا و مربيًا بسلوكه الشخصي ، قبل أن يكون بالكلم الطيب الذي ينطق به

وكنا نتمنى على قداسة البابا قبل أن يتبنى قول إمبراطور بيزنطي جاهل بأقدار الأنبياء أن يطلع على ما كتبه أحد المفكرين الغربيين حيث يقول: الحقيقة أن محمدًا قد جاء برسالة لا يمكن إنكارها ، وهي خلاصة الرسالات السابقة ، بل وتعلو عليها ، بناء على هذا فإن رسالته للعالم دستور ثابت ، وأقواله تنسجم وذوق البشر وإدراك بني الإنسان في هذا العصر .

وكنا نتمنى على قداسة البابا قبل أن يتبنى قول إمبراطور بيزنطي جاهل بأقدار الأنبياء أن يطلع على ما كتبه ميلر الكاتب البريطاني المعروف يقول: بزوغ بعثة محمد صلى الله عليه و سلم وسطوع شمس الإسلام ، أثبت هذا النبي أن دعوته موجهة للعالمين ، و أن هذا الدين المقدس يناسب كل عصر وكل عنصر وكل قومية ، وأن أبناء البشر في كل مكان وفي ظل أية حضارة ، لا غنى لهم عن هذا الدين ، الذي تنسجم تعاليمه مع الفكر الإنساني .

وكنا نتمنى على قداسة البابا قبل أن يتبنى قول إمبراطور بيزنطي جاهل بأقدار الأنبياء أن يطلع على ما كتبه الكاتب الإفرنسي كورسيه حيث يقول: عندما نهض محمد بدعوته وقبل و بعد انطلاق بعثته كان شابًا شجاعًا شهمًا ، يحمل أفكارًا تسمو على ما كان سائدًا من أفكار في مجتمعه ، و قد تمكن محمد بسمو أخلاقه من هداية عرب الجاهلية المتعصبين الذين كانوا يعبدون الأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد ، و في ظل حكومته الديمقراطية الموحدة ، تمكن من القضاء على كل أشكال الفوضى ، والاختلاف ، والاقتتال الذي كانت شائعًا في جزيرة العرب ، وأرسى بدل ذلك أسس الأخلاق الحميدة ، محولًا المجتمع العربي الجاهلي إلى مجتمع راق ومتحضر .

وكنا نتمنى على قداسة البابا قبل أن يتبنى قول إمبراطور بيزنطي جاهل بأقدار الأنبياء أن يطلع على ما كتبه الفيلسوف البريطاني توماس كاريل و قد خصص من كتابه فصلًا لنبي الإسلام ، بعنوان البطل في صورة رسول ، عدّ فيه النبي صلى الله عليه و سلم واحدًا من العظماء السبعة الذين أنجبهم التاريخ ، ووالله لقد كانت في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار و الفلوات ، المتورد المقلتين ، العظيم النفس ، المملوء رحمة وخيرًا وحنانًا وبرًا وحكمة

وكنا نتمنى على قداسة البابا قبل أن يتبنى قول إمبراطور بيزنطي جاهل بأقدار الأنبياء أن يطلع على حقيقة نبي المسلمين من كتب المسلمين لا من كتب أعدائهم الحاقدين ، وهذا من أولى مبادئ البحث الموضوعي ، وما تقتضيه درجة الأستاذية في الجامعة ، فقد وصف بعض كتاب السيرة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم التعاملية فقالوا: لقد كان صلى الله عليه و سلم جمّ التواضع ، وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام ، ينصرف بكله إلى محدثه صغيرًا كان أو كبيرًا ، يكون آخر من يسحب يده إذا صافح ، و إذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين ، و إذا جلس جلس حيث ينتهي به المجلس ، لم يرَ مادًا رجليه قط ، و لم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته أو حاجة صاحب أو جار ، و كان يذهب إلى السوق و يحمل بضاعته و يقول: أنا أولى بحملها ، و كان يجيب دعوة الحر و العبد و المسكين ، و يقبل عذر المعتذر ، و كان يرفو ثوبه ، و يخصف نعله ، و يخدم نفسه ، و يعقل بعيره ، و يكنس داره ، و كان في مهنة أهله ، و كان يأكل مع الخادم ، و يقضي حاجة الضعيف و البائس ، يمشي هونًا خافض الطرف متواصل الأحزان ، دائم الفكر لا ينطق من غير حاجة ، وكان طويل السكوت ، إذا تكلم تكلم بجوامع الكلم ، و كان دمثًا ليس بالجاحد و لا المهين ، يعظم النعم و إن دقت ، و لا يذم منها شيئًا ، و لا يذم مذاقًا و لا يمدحه و لا تغضبه الدنيا و لا ما كان لها ، و لا يغضب لنفسه و لا ينتصر لها ، إذا غضب أعرض و أشاح ، و إذا فرح غض بصره ، و كان يؤلف و لا يفرق ، يقرب و لا ينفر ، يكرم كريم كل قوم و يوليه عليهم ، يتفقد أصحابه و يسأل الناس عما في الناس ، يحسن الحسن و يصوبه و يقبح القبيح و يوهنه ، و لا يقصر عن حق و لا يجاوزه ، و لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه ، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو ما يسره من القول ، كان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ و لا غليظ ، و لا صخاب و لا فحاش ، و لا عياب ، و لا مزاح ، يتغافل عما لا يشتهي ، و لا يخيب فيه مؤمله ، كان لا يذم أحدًا و لا يعيره و لا يطلب عورته و لا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه ، يضحك مما يضحك منه أصحابه ، و يتعجب مما يتعجبون ، و يصبر على الغريب و على جفوته في مسألته و منطقه ، و لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه ، و الحديث عن شمائله صلى الله عليه و سلم حديث يطول لا تتسع له المجلدات و لا خطب في سنوات و لكن الله جل في علاه لخصها بكلمات فقال:"وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ".

وأخيرًا كنا ـ نحن المسلمين ـ نتمنى على قداسة البابا أن ينهج منهج سلفه البابا يوحنا بولس الثاني الذي حث على التعايش السلمي بين الأديان

وأن ينهج منهج سلفه البابا بولس السادس الذي أعلن اعترافه بالإسلام كدين سماوي ، وأوقف التبشير في العالم الإسلامي ، وأعلن أن المؤمن برسالة محمد ناج يوم القيامة ، ولو لم يؤمن بالمخلص ، وأرسل برقيات تهنئة لبعض زعماء العالم العربي والإسلامي بعيد الأضحى المبارك ، واستقبل وفدًا من كبار رجال الدين الإسلامي معظمهم من بلدنا سورية، وأكرمهم أيما إكرام

كنا نود أن ينتبه قداسة البابا إلى أن المسلمين لم يبنوا مجدهم على أنقاض الآخرين ، ولم يبنوا غناهم على إفقار الآخرين ، ولم يبنوا أمنهم على إخافة الآخرين ، ولم يبنوا عزهم على إذلال الآخرين ، والمسلمون لا يسعون إلى إضلال الآخرين ، ولا إلى إفسادهم ، ولا إلى نهب ثرواتهم ، ولا إلى إبادتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت