فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 321

فإذا رحمتَ فأنتَ أمٌ أو أبٌ ** هذان في الدنيا هما الرحماءُ

ويستمر بنديكت في غيه متهما مقتبسًا العبارة التالية:

"الجملة الفاصلة في هذه المحاجة ضد نشر الدين بالعنف هي: العمل بشكل مناف للعقل مناف لطبيعة الرب، وقد علق المحرر تيودور خوري على هذه الجملة بالقول: بالنسبة للإمبراطور وهو بيزنطي تعلم من الفلسفة الإغريقية، هذه المقولة واضحة. في المقابل، بالنسبة للعقيدة الإسلامية، الرب ليست مشيئته مطلقة وإرادته ليست مرتبطة بأي من مقولاتنا ولا حتى بالعقل".

هكذا يخلص حبر الكاثوليك إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بجديد! وأنه صلى الله عليه وسلم (حاشاه) لم يأت إلا بما هو شرير وغير إنساني!! وأن الإسلام دين عنف! الإسلام دين مخالف للعقل!! ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) (الكهف:5)

وانطلاقا من تلكم التقدمة أود أن أعلق انتصارًا لرسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، وللذب عن دين الإسلام العظيم الذي نحمد الله أن جعلنا مسلمين عبر النقاط التالية:

أولًا: مدخل تمهيدي: الباقلاني وخبر الروم الأعظم.

ثانيًا: العنف المقدس من كتابهم المقدس!.

ثالثا: التاريخ المخزي.

رابعًا: صفوة القول.

أولًا: مدخل تمهيدي: الباقلاني وحبر الروم الأعظم:

قد يتساءل البعض ما علاقة القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني البغدادي إمام المالطية في زمانه المتوفى 403هـ بالبابا (بنديكت) السادس عشر؟! العلاقة أن سلف هذا البنديكت (حبر الروم الأعظم في زمانه) قد طلب إمبرطوره في القسطنطينية من الخليفة العباسي أن يرسل له أحد علماء المسلمين ليناظر الحبرالأعظم للنصاري فانتدب الخليفة العباسي الإمام العلامة الباقلاني ليناظرهم وقد ذكر هذه المناظرة القاضي عياض في ترتيب المدارك وذكرها باختصار أيضًا الذهبي في سير أعلام النبلاء، وأشار إليها ابن خلكان في وفيات الأعيان. وقد كان القاضي أبو بكر الباقلاني أعجوبة زمانه في العلم وقوة الحجة وكان يلقب بلسان الأمة وشيخ السنة، وكان مضرب الأمثال في الذكاء وسعة العلم، وقد استطاع أن يناظر عدة فرق في وقت واحد! حيث قضى على أساطين المعتزلة وكل أصحاب البدع في زمانه! الشاهد من هذا السرد أن هذا العالم لم يتزلف إلى النصارى ويدعوهم إلى ما يسمى بحوار الحضارات الزائف!! بل إن إمبراطور الروم هو الذي سعى وطلب ليناظرهم في أس عقيدة الملتين؟!

نبذة حول سير المناظرة:

لقد رفض القاضي الباقلاني أن يخلع عمامته عندما دخل قصر الإمبراطور بل أنه أصر على عدم نزع خفيه لما طلب منه ذلك وقال: لا أفعل ولا أدخل إلا بما أنا عليه من الزي! وقال: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تحبونه منا ذل وصغار! والله قد رفعنا بالإسلام وأعزنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضًا فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر، رفع أقدارهم،لا إذلالهم. سيما إذا كان الرسول من أهل العلم. ووضع قدره انهدام عند الله تعالى وعند المسلمين! فما كان من الإمبراطور إلا أن رحب به ووافق على كطالبه وشروطه!

وهذا درس لعلماء المسلمين ولا سيما الذين يتمحكون في الحوار مع الغرب لدرجة أن أحدهم لو طلب منه أن يخلع جبته وعمامته وكل ما يشير إلى هدي ظاهر من لحية وغيرها لا ستجاب غير متردد!! بل إن من هؤلاء العلماء والدعاة من على استعداد أن يتنازل عن المعلوم من الدين بالضرورة وقواعد الإسلام الكبرى بزعم التقريب والتحبيب إلى الشريعة الغراء!! بالطبع هذا الذي شجع بنديكت وبطانته وبوش وعصابته وكل من هب ودب على وجه البسيطة الطعن في الإسلام وصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، بل وفي الاستهزاء من رب العالمين سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا!

عود إلى مناظرة الباقلاني:

ونظرًا لطول المناظرة فإني أنقل بعض المواقف منها على النحو التالي:

الموقف الأول:

قال الذهبي في السيرج10 ص408 طبعة مكتبة الصفا بالفاهرة:"إن الطاغية (إمبراطور الروم) سأله: كيف جرى لزوجة نبيكم؟ بقصد توبيخًا. فقال: كما جرى لمريم بنت عمران، وبرأهما الله، لكن عائشة لم تأت بولد، فأفحمه".

الموقف الثاني:

جاء في ترتيب المدارك للقاضي عياض مج2 ص210 طبعة دار الكتب العلمية بيروت: حيث قال له الملك (الإمبراطور:"هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قلت(الباقلاني) : هو صحيح عندنا،وانشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك. وإنما رآه الحضور، ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال."

فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟

قلت (الباقلاني) : لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره.

فقال (الملك) : وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة؟ لأي شئ لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟

قلت (الباقلاني) : فهذه المائدة (أي المائدة التي نزلت على عيسى عليه السلام من السماء) بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود،والمجوس، والبراهمة،وأهل الإلحاد، وخاصة (يونان) جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم. فتخير الملك"."

وهنا استدعى الملك أحد القساوسة الكبار ليتدخل:

قال الباقلاني:"فلم أشعر إذ جاؤوا برجل كالذئب أشقر الشعر مسبله، فقعد، وحكيت له المسألة فقال (القسيس) : الذي قاله المسلم لازم، هو الحق لا أعرف له جوابًا إلا ما ذكره. فقلت له: أتقول إن الكسوف إذ كان يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته. قال (القس) : لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر، إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن تأهب للنظر له؟ فأما من أعرض عنه وكان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها فلا يراه. فقال (القس) : هي كما قلت. ما يدفعك عنه دافع. وإنما الكلام في الرواة الذي نقلوه. وأما الطعن في غير هذا الوجه، فليس بصحيح. فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة؟ فقال النصراني: شبه هذا من الآيات، إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير، إلى الجم الغفير، حتى تصل بنا العلم الضروري به، ولو كان كذلك لوقع إلينا العلم الضروري به. فلما لم يقع به العلم الضروري به، دل على أن الخبر مفتعل باطل. فالتفت الملك إلي وقال: الجواب."

قلت (الباقلاني) : يلزمه في نزول المائدة، ما يلزمني في انشقاق القمر، ويقال له لو كان نزول المائدة صحيحًا، لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا ثنوي إلا ويعلم بهذا بالضرورة. ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة، دل ذلك على أن الخبر كذب. فبهت النصراني والملك، ومن ضمه المجلس، وانفض المجلس على هذا"."

الموقف الثالث:

قيل إن ملك الروم وعد القاضي الباقلاني الاجتماع معه في محفل من محافل النصرانية، فحضر الباقلاني وبولغ في زينة المجلس وأدناه الملك منه وأجلسه بجانبه وكان الملك في أبهته وخاصته عليه التاج ورجال ممكلته يحيطون به ثم جاء البطرك قيم ديانتهم (البابا في زمانه) فسلم القاضي عليه أحفى سؤال ولنترك القاضي عياض والذهبي يحكيان لنا ما حدث في هذا الموقف الطريف:

"وقال له (الباقلاني) : كيف الأهل والولد؟ فعظم قوله هذا عليه، وعلى جميعهم وتغيروا له، وصلبوا على وجوههم، وأنكروا قول أبي بكر عليه (الباقلاني) ".

"فقال الملك: مه! أما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا! فقال (الباقلاني) : تنزهونه عن هذا، ولا تنزهون رب العالمين عن الصاحبة والولد!". انتهى بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت