وفي عهده زاد التوجه السياسي للكنيسة المصرية وتقديم مفهوم جديد للنصرانية على أنها دين ودولة، مستخدمًا في ذلك سياسة الانتشار الدولي، والتقارب مع الكنائس الغربية ومؤسساتها لدعم السياسات الداخلية للكنيسة وتحقيق أغراضها، كما أعلن عن تنظيمات جديدة للكنيسة، ودعا إلى تطوير الكلية الأكليريكية وإعادة الكنيسة إلى مكانتها العالمية، فزاد اهتمامه بإنشاء الكنائس في الخارج وعيّن لها الأساقفة، من أجل ذلك تعددت جولاته ولقاءاته. ومن أبرز هذه اللقاءات: لقاؤه ببابا الفاتيكان بولس السادس عام 1973م، الذي تمت فيه المصالحة بين الكنيسة الكاثوليكية الغربية والكنيسة المصرية الأرثوذكسية. وتوقيعه وثيقة رفع الحرم المتبادل بين كنيسته والكنائس الأرثوذكسية الكلدونية وغير الكلدونية في شميزي عام 1990م. أيضًا الاتفاق على تحقيق الوحدة بين كل الكنائس النصرانية، وزيارته لرئيس أمريكا كارتر عام 1977م والتي كان لها أثرها السياسي والديني لصالح الكنيسة المصرية.
من أخطر ما يمكن، أن ننظر إلى الأمور نظرة جزئية منفصلة عن السياق العام، فنكرر قصة العميان والفيل في المأثورة الشعبية ( لا أظن أن هناك من لا يعرف القصة لشهرتها، وهي باختصار تتحدث عن أربعة من العميان راحوا يتحسسون فيلا ليصفوه، فقال الذي أمسك ساقه إنه كالشجرة، وقال الذي أمسك خرطومه إنه كالثعبان الضخم، وقال الذي تحسس بطنه وهو واقف تحتها إنه كالسقف.. وقال الذي أمسك بأذنه إنه كشجرة الموز .. والمعنى واضح عن قصور النظرة الجزئية) ..
لا نريد أن نغرق في التفاصيل، ولا نريد في نفس الوقت أن نغمض أعيننا عن علامات الطريق.
منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأت أمريكا تشعر بقوتها وترسل إرسالياتها التبشيرية إلى العالم ومنه مصر.
يقول الدكتور محمد مورو في كتابه الهام:"يا أقباط مصر انتبهوا":
وفى أوائل عقد السبعينات في القرن التاسع عشر (1870) - نصب الأنبا كيرلس الخامس بطريركا للأقباط وواصل مقاومته للتيار التبشيري وسافر البطريرك إلى أسيوط ونشر في مقاومة الإرساليات وأمر بتجريد قسيس من رتبته لسماحه لأخيه المتخرج من مدرسة الإرسالية الأمريكية بالخدمة في الكنيسة القبطية كما أصدر مطران أسيوط فرمانا كنسيا لثلاثة من تلاميذ الإرسالية، وأمر البطريرك بإحراق كل الكتب البروتستانتية في أسيوط، ثم سافر إلى أبو تيح وإخميم حيث أغلقت مدرسة الإرسالية هناك.
وبالطبع لم تيأس أمريكا التي كانت تؤسس لمشروعها الأضخم عابر القارات والقرون، فتتسلل من الباب الخلفي إلى المثقفين، وليسوا بمثقفين وإنما هم الذين استسلموا للغواية.
يقول الدكتور مورو:
بدأت عناصر من المثقفين الأقباط والمتأثرين بالحضارة الغربية، ومعهم عدد من كبار الأغنياء الأقباط والوجهاء المرتبطين بالمصالح الاقتصادية بالمشروع الاستعماري الأوروبي. بدأ هؤلاء جميعا محاولتهم للسيطرة على المجتمع القبطي. بدأوا بالسيطرة على المجالس الملية، أو قل: ضغطوا على البابا كيرلس الخامس لاستحداثها لتكون وسيلة من وسائل تأثير القوة الثالثة على المجتمع القبطي والكنيسة القبطية. وسرعان ما دب الخلاف بين هذه المجالس الملية وبين البابا كيرلس الخامس. وحدث الصدام بين البابا كيرلس الخامس وبين بطرس غالى الذي كان يرأس تلك المجالس الملية. إلا أن الشعب القبطي وقف مع البابا في هذا الصراع. وحاول عناصر تلك القوة الثالثة المتمثلة في الوجهاء- المثقفين المغتربين- كبار الأغنياء الأقباط- الإطاحة بالبابا كيرلس الخامس. وتنصيب بابا جديد من المؤمنين باتجاهاتهم والموالين لسياساتهم. واستعان بطرس غالى والمجلس الملي بالاحتلال وبالخديوي ونجح هؤلاء في استصدار قرار بتعيين بطريرك آخر مكان الأنبا كيرلس الخامس. إلا أن الإكليروس القبطي ومعه الشعب القبطي تجمعوا ومنعوا الأنبا الجديد من دخول مقر البطريركية، وكانوا يهتفون ارجع يا محروم.
( جملة اعتراضية: أرجو أن يلاحظ القارئ البصمات الأمريكية القبيحة وطريقة تسللها) ..
وكانت هذه التجارب مدعاة لإدراك ضرورة السيطرة بالزحف الهادىء على الإكليروس وعلى كرسي البطريركية، وليس بالانقلاب السافر عليها. وهكذا تم دفع عدد من شباب القوة الثالثة وخاصة من خريجي الجامعات إلى التحاق بالأديرة طلبا للانخراط في سلك الرهبنة (...) وكذلك تم الاهتمام بالسيطرة على أقباط المهجر في أمريكا وكندا واستراليا وأوروبا، ليكونوا من دعاة القوة الثالثة ومن عناصرها النشيطة التي تعمل على ربط القوة الثالثة في مصر بالكنائس الأوروبية، وتحقق لها أيضا من خلال العمل في المهجر النفوذ السياسي والدعم المالي. وفى سنة 1959 انحازت عناصر تلك القوة الثالثة إلى انتخاب البابا كيرلس السادس على أساس أنه يمثل حلقة وسيطة، لأن قوتهم لم تكن تسمح بتصعيد بطريرك من داخلهم. وتمسك البابا كيرلس السادس بالتراث القبطي التقليدي، إلا أنه سمح للقوة الثالثة بالنفوذ إلى المجتمع القبطي عن طريق إنشاء أبرشيات جديدة يتولون إدارتها لرئاستها. وفى سنة 1971، توفى البابا كيرلس السادس ووجدت القوة الثالثة أن الفرصة مواتية فلديهم الكثير من العناصر في الإكليروس القبطي، كما أن الظروف المحلية والدولية في ذلك الوقت كانت تسمح بذلك، وهكذا جاء البابا شنودة الثالث وأصبح بطريركا للأقباط سنة 1971.
فلنترك الدكتور مورو قليلا..
كانت تلك الحقبة هي التي تفجرت فيها رغبة أمريكا المحمومة في السيطرة على العالم.. أو على الأحرى كان الغطاء قد انكشف عنها فظهر ما كان مستورا.. كانت قد خرجت منتصرة من الحرب فتسللت إلى كل دول العالم للسيطرة عليها.. وانقلبت حتى على أخلص حلفائها لتحل محلهم في المستعمرات، و كانت أقسى لحظات حياة تشرشل حين أدرك أنه لا يتعامل مع الحليف والصديق بل مع عدو مصرٌّ على التهامه، وهو نفس الشعور الذي شعر به أنتوني إيدن عام 56. وقد ترتب على هذا أن بريطانيا وهي تجلو عن اليمن الجنوبي سلمته للشيوعيين نكاية في أمريكا. كانت أمريكا تتمدد في العالم كله، في آسيا و إفريقيا و أمريكا اللاتينية، وكانت كوريثة قيصر تركز على بلاد المسلمين.. كانت قد استولت - بلا غزو ولا تزال - على السعودية واستعادت إيران وبدأت سياسة الانقلابات في سوريا ودعمت الانقلاب في مصر.
وكانت قد جندت السادات والملك حسين..
وكانت تصوغ جورباتشوف..
ثم..
ثم..
ثم .. في نفس السياق والإطار جاء البابا شنودة!!..
يذكر محمد حسنين هيكل في كتابه (خريف الغضب) أن السادات وممدوح سالم وزبر الداخلية 1971 وغيرهما من الجهاز الحكومي كانوا يفضلون انتخاب البابا شنودة كبطريرك للكنيسة القبطية عقب موت الأنبا كيرلس السادس وأن هيكل قد عارض في ذلك وطرح أسبابه لتلك المعارضة وألمح الأستاذ هيكل في نفس الكتاب إلى احتمال استخدام الحكومة المصرية لنفوذها لترجيح كفة البابا شنودة على غيره من المرشحين للكرسي البطريركي.. بل إنه روى واقعة الانتخاب وقيام الطفل باختيار الورقة التي ظهر فيها اسم البابا شنودة بطريقة معينة تجعلك تشك ولكنها لا تورطه!!