فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 321

والشيخ ـ لا ريب ـ يعلم أنه لا يجوز الاستغفار للكافر الذي مات عل الكفر، ولكن عبارته تضمنت هذا المعنى أو اقتضته، وإن لم يذكر ذلك بصريح لفظه. وإلا فما هو وجه رحمة ومثوبة من مات على الكفر، ولا نعلم في الآخرة سوى دارين ومآلين؟

والشيخ يعلم أن الكلام إنما يصاغ على ما يفهمه سامعه، وفي المشاهدين والسامعين من يتعذر عليه استكناه المقاصد والنيات، أو حمل الكلام على غير ظاهره، أو صرفه إلى خلاف مدلوله لدلالة أو قرينة خارجة، أو نحوه.. ولذلك وجب التنويه إلى أن من مات على الكفر لا يغفر له، ولا يستغفر له..

قال تعالى: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ* وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 113، 114) .

قال الإمام الطبري ـ في تفسير الآية ـ:"يقول تعالى ذكره: ما كان ينبغي للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- والذين آمنوا به أن يستغفروا, يقول: أن يدعوا بالمغفرة للمشركين, ولو كان المشركون الذين يستغفرون لهم أولي قربى, ذوي قرابة لهم. ( من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) يقول: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان تبين لهم أنهم من أهل النار; لأن الله قد قضى أن لا يغفر لمشرك فلا ينبغي لهم أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله" (3) .

وفي سبب نزول الآية روى الشيخان في صحيحيهما، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله"فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب ـ آخر ما كلمهم ـ: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك"؛ فأنزل الله عز وجل: ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) ( القصص: 56 ) .

فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمه؛ فإنه استغفر له بعد موته على ما روي في غير الصحيح. وقال الحسين بن الفضل: وهذا بعيد؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة (4) .

وفي زيادة للطبري، أوردها العسقلاني في"الفتح":"قال: أي عم، إنك أعظم الناس عليَّ حقًا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة". وفيه أنه مع عظيم ما قدم أبو طالب للنبي -صلى الله عليه وسلم- لا ترجى له شفاعة إلا أن يؤمن.

وقد بوب مسلمٌ لهذا الحديث بقوله: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين. والدليل على أن من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم. ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل.

قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ:"وأما قول الله تعالى: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ) فقال المفسرون وأهل المعاني: معناه: ما ينبغي لهم. قالوا وهو نهي".

قال:"أما قوله عز وجل: ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) ( القصص: 56 ) . فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج، وغيره، وهي عامة؛ فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله تعالى" (5) .

وقد حقق الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ المسألة تحقيقًا رصينًا كعادته في التدقيق والاستقصاء؛ فقال:"قوله: ( فأنزل الله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) أي ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي . هكذا وقع في هذه الرواية ."

وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي". فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت". وهذا فيه إشكال، لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم-أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر النزول ."

وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال:"خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل علي: ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) ، وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه"نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب"ولم يذكر نزول الآية ."

وفي رواية الطبري من هذا الوجه"لما قدم مكة أتى رسم قبر"ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية:"لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت"، وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه"لما هبط من ثنية عسفان"وفيه نزول الآية في ذلك .

فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال يوم أحد ـ بعد أن شج وجهه ـ:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصًا بالأحياء وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم، وهو أمر أبي طالب. ومتأخر، وهو أمر آمنة .

ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره -صلى الله عليه وسلم- للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضا قوله في حديث الباب:"وأنزل الله في أبي طالب: ) إنك لا تهدي من أحببت)"؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال:"سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-فأنزل الله: (ما كان للنبي..) الآية". وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه ؟ فنزلت. ومن طريق قتادة قال:"ذكرنا له أن رجالًا"فذكر نحوه (6) .

فهذه أم النبي -صلى الله عليه وسلم- المشفع في أمته قاطبة لم يأذن الله تعالى لنبيه في الاستغفار لها، ومثلها كثير من أمهات الصحابة وآبائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت