ثم إن قول الله تعالى: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ) تضمن قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم؛ فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز.
شبهة وردها:
فإن قيل: فقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ـ يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجوا وجهه ـ:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين. قيل له: إن ذلك القول من النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء، والدليل عليه: ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وفي البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر نبيًا قبله شجه قومه فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبر عنه بأنه قال: ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .
قال الإمام القرطبي: وهذا صريح في الحكاية عمن قبله, لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه بعضهم. والله أعلم. والنبي الذي حكاه: هو نوح عليه السلام.
وقال الطاهر بن عاشورـ في قوله تعالى: (ما كان للنبي..) ـ:"وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا الاستغفار" (7) .
وقيل: إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة. قال بعضهم: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا; لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله: ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) الآية.. قال عطاء بن أبي رباح: الآية في النهي عن الصلاة على المشركين، والاستغفار هنا يراد به الصلاة.
قلت: وحمل الآية على أن المراد بالاستغفار فيها الصلاة لا ينفي دلالة ما سواها من الأدلة على حرمة الاستغفار للكافر.
وللآية جواب ثالث أورده الإمام القرطبي: وهو أن الاستغفار للأحياء جائز; لأنه مرجو إيمانهم ويمكن تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدين. وقد قال كثير من العلماء: لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين. فأما من مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له. قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت؛ فأمسكوا عن الاستغفار، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا (8) .
ووجه الاستغفار للمشرك في حياته: أن يهديه الله تعالى ببركة استغفار المؤمن له فيتوب فيغفر الله له.
ثم قال تعالى ـ بعد هاتين الآيتين ـ: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (التوبة: 115 ) .
قال ابن جرير:"يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله حتى يتقدم إليكم بالنهي عه فتتركوا. فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا فيه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه" (9) .
وقال الحافظ ابن كثير:"يقول تعالى ـ مخبرًا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل ـ إنه لا يضل قومًا إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة كما قال تعالى: ( فأما ثمود فهديناهم ) الآية وقال مجاهد ـ في قوله تعالى: ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) الآية.. ـ قال: بيان الله عز وجل للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه لهم في معصيته وطاعته عامة فافعلوا أو ذروا" (10) .
وقال الطاهر بن هاشور:"وفيه تسجيل أيضًا لكون أولئك المشركين أحرياء بقطع الاستغفار لهم لأن أنبياء الله ما قطعوه عنهم إلا بعد أن أمهلوهم ووعدوهم وبينوا لهم وأعانوهم بالدعاء لهم فما زادهم ذلك إلا طغيانًا" (11) .
المسألة الثانية: لا يجوز أن يُدعى للكافر (الذي يموت على الكفر) بالمثوبة.
أما الدعاء لمن مات على الكفر بالمثوبة فلا يصح ولا يستقيم، ذلك أن الكافر لا مثوبة له في الآخرة.. قال الله تعالى: ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (هود ـ 15، 16) .
ومثلها قول الله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ) (الشورى: 20 ) .
وقول الله تعالى: ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) (آل عمران: 145) .
وقد اختلف العلماء في تأويل الآية من سورة هود على آراء (12) :
فقيل: نزلت في الكفار; قاله الضحاك, واختاره النحاس; بدليل الآية التي بعدها ( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ) ( هود: 16 ) . أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا, بصحة الجسم, وكثرة الرزق, لكن لا حسنة له في الآخرة.
وقيل: المراد بالآية المؤمنون; أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم يُنقَص شيئًا في الدنيا, وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا, وهذا كما قال -صلى الله عليه وسلم-:"إنما الأعمال بالنيات"فالعبد إنما يعطى على وجه قصده, وبحكم ضميره; وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة.
وقيل: هو لأهل الرياء; وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء:"صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك"ثم قال:"إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار". رواه أبو هريرة, ثم بكى بكاء شديدًا، وقال: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ) وقرأ الآيتين. خرجه مسلم في"صحيحه"بمعناه، والترمذي أيضًا.
وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى, كان معه أصل إيمان أو لم يكن; قاله مجاهد وميمون بن مهران, وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وُفّيَ ثوابَها; فإن كان مسلمًا مخلصًا وُفّيَ فِي الدنيا والآخرة, وإن كان كافرًا وُفّيَ في الدنيا. وقيل: من كان يريد [ الدنيا ] بغزوه مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وُفِّيَهَا, أي وُفِّيَ أجرَ الغزاة ولم ينقص منها; وهذا خصوص والصحيح العموم.
وحكى ابن الجوزي هذه الآراء الأربعة في تفسيره مختصرة (13) .
وأورد ابن كثير نحوها، وإن كان يميل إلى أن الآية في أهل الرياء عامة، فإنه لا ثواب لهم في الآخرة (14) .
وكذلك أوردها ابن العربي، وقال:"أخبر الله سبحانه أن من يريد الدنيا يعطى ثواب عمله فيها، ولا يبخس منه شيئا . واختلف بعد ذلك في وجه التوفية؛ فقيل في ذلك صحة بدنه أو إدرار رزقه."
قال سعيد بن جبير:"أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا. وقال مجاهد:"من عمل عملًا من صلة، أو صدقة، لا يريد بت وجه الله، أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا، ويدرأ بت عنه في الدنيا (15) .
فتقرر ـ على آرائهم جميعًا ـ: أن لا ثواب للكافر في الآخرة. وهذا متقرر في محكمات الشريعة وبدهياتها.