فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 321

وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة (أي في توفية الكافر أجره في الدنيا) ; وكذلك الآية التي في"الشورى": ( ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ) ( الشورى: 20) الآية.. وكذلك: ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) (آل عمران: 145) (16) .

ومن ذهب إلى هذا قيد هذه الآيات بآية الإسراء (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا) (الإسراء: 18 ) . كما نقله من سبق ذكر أقوالهم.

وبوب الإمام مسلم ـ في"صحيحه": باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل.

وأورد تحته: عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين. فهل ذاك نافعه؟ قال:"لا ينفعه. إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (17) .

قال الإمام النووي:"أي لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل."

قال القاضي عياض ـ رحمه الله تعالى ـ: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم أشد عذابًا من بعض بحسب جرائمهم. هذا آخر كلام القاضي.

وذكر الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي ـ في كتابه"البعث والنشور"ـ نحو هذا عن بعض أهل العلم والنظر، قال البيهقي: وقد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات" (18) ."

وفي إحباط عمل الكافر ـ إن مات على الكفر ـ نصوص كثيرة.. منها: قول الله تعالى: (ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 88 ) .

فهذا شرط ـ كما يقوله ابن كثير ـ (19) . ولا مراء في أن تحقيق توحيد الله جل وعلا شرط في قبول الأعمال وسلامتها من البطلان والإحباط.

وقال الإمام القرطبي ـ في تفسير الآية ـ:"أي لو عبدوا غيري لحبطت أعمالهم" (20) .

وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الزمر: 65 ) .

قال الحافظ ابن كثير ـ في"التفسير"ـ:"هذه كقوله تعالى:"ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون" (21) ."

وقال القاضي ابن العربي:"هذا وإن كان خطابا للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقد قيل: إن المراد بذلك أمته، وكيفما تردد الأمر فإنه بيان أن الكفر يحبط العمل كيف كان، ولا يعني به الكفر الأصلي؛ لأنه لم يكن فيه عمل يحبط ، وإنما يعني به أن الكفر يحبط العمل الذي كان مع الإيمان؛ إذ لا عمل إلا بعد أصل الإيمان، فالإيمان معنى يكون به المحل أصلا للعمل لا شرطا في صحة العمل، كما تخيله الشافعية؛ لأن الأصل لا يكون شرطا للفرع؛ إذ الشروط أتباع فلا تصير مقصودة؛ إذ فيه قلب الحال وعكس الشيء، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) ".

وقال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ) (الفرقان: 23 ) .

قال ابن كثير:"هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع الله فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ" (22) .

وقال الإمام القرطبي:" (وقدمنا) : قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل بر عند أنفسهم ، (فجعلناه هباء منثورًا) : أي لا ينتفع به; أي أبطلناه بالكفر".

وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 147 ) .

قال ابن كثير:"أي من فعل منهم ذلك واستمر عليه إلى الممات حبط عمله" (23) .

وقال الطاهر بن عاشور ـ في تفسير هذه الآية ـ:"لا تخلوا جماعة المتكبرين من فريق قليل يتخذ سبيل الرشد عن حلم وحب للمحمدة، وهم بعض سادة المشركين وعظماؤهم في كل عصر، كانوا قد يحسب السامع أنْ ستنفعهم أعمالهم، أزيل هذا التوهم بأن أعمالهم لا تنفعهم مع التكذيب بآيات الله ولقاء الآخرة، وأشير إلى أن التكذيب هو سبب حبط أعمالهم بتعريفهم بطريق الموصولية (أي الذين) ، دون الإضمار" (24) .

ونحو ذلك من الآيات كثير..

ومهما كان للكافرين من أعمال نافعة وآثار مفيدة فهم الأخسرون أعمالًا.. قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا* أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) (الكهف: 103ــ 105 ) .

قال أبو بكر بن العربي:"أجاب الله عما وقع التقرير عليهم بقوله: (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا) لكن العلماء من الصحابة ومن بعدهم حملوا عليهم غيرهم ، وألحقوا بهم من سواهم ممن كان في معناهم ، ويرجعون في الجملة إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: الكفار بالله ، واليوم الآخر، والأنبياء، والتكليف؛ فإن الله زين لكل أمة عملهم، إنفاذًا لمشيئته، وحكما بقضائه، وتصديقا لكلامه. الصنف الثاني: أهل التأويل الفاسد للدليل الذين أخبر الله عنهم بقوله: ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) كأهل حروراء والنهروان، ومن عمل بعملهم اليوم، وشغب الآن على المسلمين تشغيب أولئك حينئذ، فهم مثلهم وشر منهم. قال علي بن أبي طالب يوما، وهو على المنبر: لا يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلا أخبرته، فقام ابن الكواء، فأراد أن يسأله عما سأل عنه صبيغ عمر بن الخطاب، فقال: ما الذاريات ذروا؟ قال علي: الرياح. قال: ما الحاملات وقرا؟ قال: السحاب. قال: فما الجاريات يسرا؟ قال: السفن. قال: فما المقسمات أمرا؟ قال: الملائكة. قال: فقول الله تعالى: ( هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) قال: ارق إلي أخبرك. قال: فرقى إليه درجتين قال: فتناوله بعصا كانت بيده ، فجعل يضربه بها. ثم قال: أنت وأصحابك. وهذا بناء على القول بتكفير المتأولين. وقد قدمنا نبذة منه، وتمامها في كتب الأصول. الصنف الثالث: الذين أفسدوا أعمالهم بالرياء وضيعوا أحوالهم بالإعجاب".

وعلى الجملة فإنه لا وزن ولا قيمة لأعمال الكافرين وآثارهم في الآخرة..

قال تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ ) (إبراهيم: 18 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت