وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ) إلى قوله: ( لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ) (البقرة ـ من الآية: 264 ) .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (النور: 39 ) .
قال الحافظ ابن كثير:"وذلك أنهم عملوا أعمالًا اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحكم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا إذا إنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية" (25) .
فالكافرون ضالون ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون، وأن أعمالهم ذات وزن موزون، وأنهم على شيء، وليسوا على شيء... وقد خيب الله ظنهم في أعمالهم كما تقرر في الآيات، أفيليق بأهل الإيمان أن يكون ظنهم بأعمال أهل الضلال كظن أولئك بها، مع ما قطع به القرآن ببوارها؟! قال تعالى: ( إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) (الأعراف ـ من الآية: 30 ) .
قال الطاهر بن عاشور ـ في تفسير آيتي سورة هود: (من كان يريد الحياة الدنيا..) الآية. إلى قوله: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار.. ) الآية ـ:"وفيه تنبيه للمسلمين أن لا يغتروا بظاهر حسن حال الكافرين في الدنيا، وأن لا يحسبوا أيضًا أن الكفر يوجب تعجيل العذاب فأوقظوا من هذا التوهم، كما قال تعالى: (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (آل عمران: 196، 197 ) ." (26) .
غاية ما يستفيده الكافر في الآخرة:
غاية ما يستفيده الكافر في الآخرة مما قدم من عمل في دنياه، ولم يستوف أجره فيها.. أن يخفف به عنه من عذابه يوم القيامة، وهذا لا يعلم في حق معين إلا بنص، كما وقع لأبي طالب عم النبي -صلى الله عليه وسلم- .
روى مسلم في"صحيحه": عن العباس بن عبد المطلب، أنه قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشىء؛ فإنه كان يحوطك؟ (27) ويغضب لك. قال:"نعم، هو في ضحضاح (28) من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
وفي رواية: قال:"نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح".
وفي رواية: فقال:"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه" (29) .
وقد تقدم من كلام الإمام النووي ما نقله عن الإمام البيهقي، قال:"وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات" (30) .
هذا غاية ما يمكن أن يحصله كافر في الآخرة، أما أن يثاب ـ لتطلب له المثوبة ـ فلا.
وبقطع النظر عما أنجزه بابا الفاتيكان من عمل"صالح"، وأثر"طيب"على حد وصف الشيخ القرضاوي.. فإن كلامنا هنا في بيان حرمة الدعاء للكافر بالرحمة والمثوبة كائنًا من كان، وإن فاق عمله وأثره عمل وأثر أبي طالب ـ الذي نُصَّ على تخفيف العذاب عنه ـ أضعافًا مضاعفة.
وبعد.. فما كنت أحسب أن هذه البدهيات العقدية والأبجديات الشرعية يمكن أن تحتاج يومًا إلى تقرير وبيان، وكنا ـ والشيخ ـ في غنى عن ذلك لولا ما تكلم به الشيخ، وما نخشاه من التباس يحصل للعامة، وأيضًا لما يمكن أن يتسلل إلى نفوسهم ـ والنشء منهم خاصة ـ من معنى تربوي خاطئ، وهو اعتقاد جواز المجاملة أو تأليف الآخر أو إبداء سماحة الإسلام للغير...على حساب عقيدة الإسلام، ووضوحها في عقول أبنائها..
على أن السماحة، والرحمة، والرأفة ونحو ذلك من المعاني جعل لها الشارع ضابطين اثنين: الأول: أن تكون في اتجاهها الصحيح. والثاني: أن تكون بمقدارها الصحيح، أي من غير إسراف ولا تقتير، وهذا إنما يتحقق بالوقوف عند حدود الله تعالى، فلا تتجاوز ولا تتعدى.
فالرحمة إن تجاوزت حدود الله كانت تفريطًا وضعفًا، كما أن الشدة إن تجاوزت حدود الله كانت ظلمًا وبغيًا.
ووضع الندى في موضع السيف مضركوضع السيف في موضع الندى إنجازات بابا الفاتيكان..
ولكن تجدر الإشارة ـ هنا ـ إلى بعض إنجازات الرجل، كي لا يغتر بما قيل فيه مسلم..
أولًا: هو البابا الأكثر ولعًا بالتنصير.
وشهد شاهد من أهلها:
"في أول تعليق لها بعد تأكد نبأ وفاة 'يوحنا بولس الثاني' زعيم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بالفاتيكان، وصفت وكالة ميسنا الكنسية [البابا] بأنه كان [البابا المولع بالتنصير] ."
وفي معرض ثنائها على 'بولس' الذي هلك يوم أمس السبت قالت الوكالة: إن البابا أخذ على نفسه تبليغ [رسالة الإنجيل] في القارات الخمس أثناء فترة [حبريته] .
وأضافت الوكالة أن فترة مكث يوحنا بولس على سدة الفاتيكان، كانت إحدى أطول الفترات في التاريخ، حيث استمرت أكثر من ستة وعشرين عامًا، بدأت بتوليه [البابوية] عام 1978.
وعلى الصعيد ذاته ذكرت الوكالة التنصيرية أن يوحنا بولس الذي مات بعد بلوغه 84 عامًا قام بأكثر من مائة رحلة تبشيرية قابل فيها ملايين الحجاج في نحو 129 دولة.
كما ذكرت الوكالة أن الزعيم السابق للكنيسة الكاثوليكية الرومانية بالفاتيكان كان قد عقد نحو 737 اجتماعًا ومقابلة مع رؤساء دول العالم خلال ستة وعشرين عامًا، كما أجرى مقابلات تصل إلى 245 مقابلة مع رؤساء وزراء دول العالم.
وتجدر الإشارة إلى أن 'بولس' كان قد حذر الكاثوليك من التخلي عن التنصير قائلًا: 'إن التبشير لازم وحتمي على كل مسيحي، والويل والجحيم لمن لم يبشر" (31) ."
وقد اعترف [البابا] ذات مرة باختراق النشاط التنصيري للمنظمات الإغاثية مؤكدًا أن: 'مهمة [التبشير] ملازمة للكنيسة طالما ظلت قائمة، وأن المنظمات [الخيرية] تسعى إلى القيام بـ [واجباتها] من خلال الأعمال الإغاثية والمساعدات الإنسانية بالمناطق المنكوبة حول العالم لإرواء العطشى إلى [دم المسيح] .. على حد زعمه.
ثانيًا: وضع أساسًا متينًا للعلاقة الجديدة بين الكنيسة الكاثوليكية و [إسرائيل] .
صرح المسؤول الكاثوليكي الفرنسيسكاني 'ديفيد جايجير' عضو وفد الفاتيكان الذي تفاوض نيابة عن 'يوحنا بولس الثاني' في اتفاقية عام 1993 مع الكيان الصهيوني بأن بولس وضع أساسًا متينًا للعلاقة الجديدة بين الكنيسة الكاثوليكية و [إسرائيل] ، وأعطى أملًا عظيمًا لتأثير الكنيسة في الدولة اليهودية.
وقال 'جايجير': إن تأثير [البابا] على إدراك اليهود كان قد اتضح في استطلاع رأي أجري عام 2000حيث أظهر أن غالبية [الإسرائيليين] يعتقدون أنه كان مرشحهم المفضل.
وزعم المسؤول الكاثوليكي بالفاتيكان أنه: 'بعد أيام قليلة من ظهوره على شاشات التلفزيون 'الإسرائيلي'، استطاع هذا الكاهن -المعين من قبل السيد المسيح - تحويل أنظار غالبية الشعوب الإسرائيلية نحو الكنيسة وزعمائها"ـ حسب تعبيره ـ ."
وعلى الصعيد ذاته قال'جايجير': إن يوحنا بولس - في الواقع - قدم الجمهور 'الإسرائيلي' إلى مفهوم جديد من الإيمان.
ووصف 'جايجير' تأثير بولس على اليهود بقوله: إن الأغلبية العلمانية 'الإسرائيلية' رأت في بولس شيئًا جديدًا، فهو زعيم ديني لم يكن يعظ بالقومية أو التطرف أو الخوف، بل بالعدالة والمساواة.