ويتمثّل فيما تمتّع به تلامذة الإمام مالك وأتباعه من قوة في تمسّكهم بمذهب إمامهم وتطبيق أحكامه وعدم الخروج عنه، فأصبح اختيارهم نهائيا لا محيد عنه يحكّمونه في مصالحهم الدينية والدنيوية، يقول ابن تيمية [1] : «لما انتشر مذهب مالك بالأندلس، وكان يحيى بن يحيى بالأندلس والولاة يستشيرونه، فكانوا يأمرون القضاة ألاّ يقضوا إلاّ بروايته عن مالك» . ويظهر ذلك جليا عندما احتاج الأمير إلى شراء مجشر في أحباس المرضى المقابل لمنزهه؛ لتأذيه برؤيتهم فرفع أمره إلى القاضي ابن بقي فامتنع وأجابه: بأنّ الأمير أولى بحفظ حرمة الحبس، فأمره بجمع فقهاء الشورى، فأفتوه بما قاله ابن بقي لموافقة فتواه مذهب مالك، ثم أعاد الأمير المشورة في هذه المسألة بحضور محمد بن لبابة، فقال هذا الأخير: «أما قول إمامنا مالك فالذي قاله أصحابنا الفقهاء، وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون الحبس أصلا وهم علماء أعلام تهتدي بهم أكثر الأمة، وإذا بأمير المؤمنين من حاجة إلى هذا المجشر ما به فما ينبغي أن يُردّ عنه، وله في المسألة فسحة وأنا أقول فيه بقول العراقيين وأتقلد ذلك رأيا» [2] .
أما الفقهاء فبقوا على رأيهم الأول، وقالوا لابن لبابة مستنكرين عليه فيما ذهب إليه: «سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا ومضوا عليه واعتقدناه بعدهم، وأفتينا به لا نحيد عنه بوجه، وهو رأي أمير المؤمنين، ورأي الأئمة آبائه» [3] .
ولقد نافس فقهاء المالكية في أول الأمر أتباع مذهب الأوزاعي، الأمر الذي دفعهم للتخلي عن مذهبه والانتقال إلى مذهب مالك، فكان ابن حبيب يلوم أبا كنانة زهير بن مالك البلوي لعدم اتّباعه مذهب المدينة وتمسّكه برأي الأوزاعي، فكان يقول له: «حسدتني إذا انفردت بالأوزاعية دون أهل البلد» [4] .
(1) - مجموع الفتاوى، 20/ 327، 328.
(2) - المدارك، 6/ 90.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - تاريخ علماء الأندلس، 1/ 188.