لقد قسم ابن رشد المفتين إلى طوائف ثلاثة، وعلى هذا التقسيم سار القرافي [1] في الفروق؛ أما ابن رشد فقال: «إن الجماعة التي تنسب إلى العلوم وتتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم تنقسم إلى ثلاث طوائف» :
أ - طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب الإمام مالك تقليدا من غير دليل، فأخذت نفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه، دون أن تتفقه في معانيها فتميز الصحيح منها من السقيم، فهذه لا يصح لها الفتوى بما علمته وحفظته، إذ لا علم عندها بصحة شيء من ذلك، إذ لا تصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم، ويصح لها في خاصتها، إن لم تجد من يصح لها أن تستفتيه أن تقلد مالكا أو غيره من أصحابه فيما حفظته من أقوالهم، وإن لم يعلم من نزلت به نازلة وحفظت هذه الطائفة فيها من قول مالك وأصحابه، فيجوز للذي نزلت به النازلة أن يقلد أحد هؤلاء الفقهاء فيما حكاه من قول مالك، ويقلد مالكا في الأخذ بقوله فيها، وذلك أيضا إذا لم يجد في عصره من يستفتيه في نازلته فيقلده فيها.
ب- الطائفة الثانية: اعتمدت صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة أصوله، فأخذت نفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في الفقه، وتفقهت في معانيها، فعلمت الصحيح منها الجاري على أصوله من السقيم الخارج عنها، إلا أنها لم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول.
وهذه يصح لها أن تفتي إذا اُستُفتِيَت بما علمته من قول مالك وقول غيره من أصحابه، إذا كانت قد بانت لها صحته، كما يجوز لها في خاصتها الأخذ بقوله إذا بانت لها صحته، ولا يصح لها أن تفتي بالاجتهاد فيما لا تعلم فيه نصًا من قول مالك وقول غيره من أصحابه، وإن كانت بانت لها صحته؛ إذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد التي يصح لها بها قياس الفروع على الأصول.
(1) - البقوري، ترتيب الفروق واختصارها. ت: عمر بن عباد، المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1994، 1/ 349 وما بعدها؛ القرافي، الفروق، 2/ 107. (ذكرها في الفرق الثامن والسبعين قاعدة:"من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له ذلك") .