المطلب الثالث:
أهم مميزات الفتوى في المدرسة الأندلسية وأبرز خصائصها.
اعتمد المفتون بالأندلس على مذهب مالك وظلوا متمسكين به، سالكين مسلك من سبقهم في الفتوى فالتزموا أحكامه، وجروا على قواعده في الأخذ بالأقوال والروايات و استنباط الأحكام، فكانوا إذا سئلوا عن نازلة أفتوا فيها برأي مالك دون غيره من الأئمة، وقد كان هناك من الفقهاء على غير مذهب مالك [1] ، و لكن إذا جاءه مستفتٍ أفتاه على رأي مالك احتراما لما عليه أهل الأندلس، بل كان الفقهاء ينكرون على من لم يفت بقول مالك كما فعلوا مع ابن لبابة [2] عندما أفتى للأمير عبد الرحمان الناصر برأي العراقيين في قضية شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة، فقال له الفقهاء: «سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا ومضوا عليه، واعتقدناه بعدهم، و أفتينا به لا نحيد عنه بوجه وهو رأي أمير المؤمنين والأئمة آبائه ... » [3] .
واعتمد المفتون بعد قول مالك قول عبد الرحمان بن القاسم؛ ذلك لأنه لازم مالكا أزيد من عشرين سنة، ولم يفارقه حتى توفي [4] . وكان «عيسى بن دينار أول
(1) - مثل: قاسم بن محمد بن يسار المتوفى سنة 276 هـ، كان على مذهب الشافعي إلاّ أنه التزم الإفتاء على مذهب مالك؛ لأنّ أهل الأندلس على مذهبه. انظر: أخبار الفقهاء والمحدّثين، 2/ 289.
(2) - هو محمد بن يحي بن عمر بن لبابة القرطبي، كان أحفظ زمانه للمذهب، ولي قضاء ألبيرة والشورى بقرطبة، ثم عزل، ثم أعيد إلى الشورى مع خطّة الوثائق في الواقعة التي حدثت مع الأمير الناصر. له: المنتخبة، وكتاب في الوثائق، وله اختيارات في الفتوى خارجة عن المذهب، انظر: ترتيب المدارك، 3/ 3398؛ الديباج، 251.
(3) - المدارك، 4/ 401 (بتصرف يسير) .
(4) - المصدر نفسه، 2/ 436.