المبحث الأول:
البيئة التي عاش فيها الإمام الشاطبي.
إن البيئة التي ينشأ فيها الفرد، ويتلقّى فيها أفكاره وثقافته الأولية تترك أثرها الواضح في سائر أطوار حياته، وتسهم في صياغة شخصيته وبلورة أفكاره، وصقل مواهبه؛ ومهما كانت قابلية الإنسان فريدة، ونبوغه عاليا، فإن البيئة تؤثر فيه، وتعطيه بقدر ما تأخذ منه، فيندمج بها فكريا، ويتأثر بها عاطفيا، ونحن إذا أردنا دراسة شخصية الإمام الشاطبي وفهمها لابد من الوقوف على الظروف والأحوال التي انطبع بها عصره، وأثّرت في تكوين شخصيته وأفكاره؛ لذلك ارتأيت أن أعالج عصره - بصفة مختصرة- من النواحي الآتية:
المطلب الأول:
الناحية السياسية.
الإمام الشاطبي من أعلام القرن الثامن الهجري، عاصر مملكة غرناطة [1] ، أو دولة بني الأحمر التي قامت سنة 635 هـ/1238 م، على يد القائد الغالب بالله أبي عبد الله محمد بن يوسف الذي ينتهي نسبه إلى الصحابي الخزرجي: سعد ابن عبادة. وقد اجتمع بهذه المملكة المسلمون الذين فروا بدينهم وأنفسهم من المدن الأخرى التي استولى عليها النصارى واستقرّوا بغرناطة عملا بفتاوى الفقهاء الذين أفتوا بوجوب الهجرة من أرض الكفر (إسبانيا) إلى أرض الإسلام (غرناطة) [2] ، فتحصّنوا بهذه البلاد التي يحيط بها العدو من كل جانب. ونظرا لكثرة الاضطرابات
(1) - كانت مملكة غرناطة تمتد في الجزء الجنوبي من الأندلس إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، ومضيق جبل طارق، والمشتمل على ثلاث ولايات كبرى وهي: المرية، مالقة، وغرناطة. انظر: محمد عبد الله عنان، نهاية الأندلس، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1987، ص 112،113؛ وانظر: عصام الدين عبد الرؤوف الفقي، تاريخ المغرب والأندلس، ص 229، وما بعدها؛ جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، القاهرة، دار المعارف، ط:2، 1966، ص 58.
(2) - انظر: المعيار المعرب، 2/ 121.