المبحث السادس:
التأليف في الفتاوى
من المعلوم أن الناس لم يكونوا علماء كلهم، فالنبوغ في العلم لا يتأتى لجميع الأفراد؛ لذلك أمر الله الجاهل أن يسأل أهل العلم عن حكمه تعالى، فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان التابعون يسألون علماء الصحابة ... وهكذا استمرت الفتيا ولم تنقطع، إلى أن جاء عصر التقليد الذي عرف ظهور مؤلفات فقهية تحمل اسم الفتاوى أو النوازل أو الأجوبة تارة، والأحكام أو مسائل الأحكام تارة أخرى، و بعض هذه الفتاوى اشترك في كتابتها أكثر من عالم، أو تكون لفقيه واحد يجمعها هو أو أحد تلاميذه، وغالبا ما تكون هذه الفتاوى مرتبة على حسب الأبواب الفقهية، وتختلف في حجمها بحسب الملابسات التي تحيط بها.
وتمثل هذه المؤلفات الناحية التطبيقية العملية من الفقه، وتتجلى فيها أحكام اجتهادية متعددة، كانت وليدة الحاجة والظروف فربطت بين الفقه وأصوله، وعقدت الصلة بين الحكم و تطبيقه، ومن أهم كتب الفتاوى ما يأتي:
الفتاوى العالمكيرية: المشهورة باسم: الفتاوى الهندية، وهي منسوبة إلى الملك محمد أورنك زيب، ويلقب باسم:"عالمكير"أي فاتح العالم، وقد بسط سلطانه على الهند من سنة [1029 إلى 1119 هـ / 1608 - 1707 م] وقد جمع هذا الملك لتأليف هذا الكتاب فقهاء الحنفية في عصره، برئاسة الشيخ"نظام الدين"وأجرى عليهم النفقات، انتخبوا من جمع كتب المذهب الحنفي أصح ما قيل فيها من الأحكام وصاغوها في هذا المؤلَف الجليل مع عزو كل حكم إلى مصدره، فاحتوى على ما لا يوجد في سواه، طبعت هذه الفتاوى لأول مرة سنة 1282 هـ بمصر في ستة مجلدات ضخمة [1] .
(1) - مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام، دمشق، دار الفكر، ط 9، 1998، 1/ 190.