اليوم فلا حاجة للحمامات العامة لأنه لا يخلونّ بيت من البيوت إلا و فيه حمام؛ إلاّ من اضطر للعلاج فيها.
-و مما راعته الشريعة في اعتبار الظروف المناخية: إقامة الحدود على الجاني، فإنه لا يجوز حدّه في وقت شديد البرودة، ولا في وقت شديد الحرارة بل يلتمس الجو المعتدل مخافة أن يهلك، و ليس ذلك هو مقصود الشارع الحكيم، بل ينتظر لحد اعتدال الهواء [1] ، و يقول ابن رشد: «وأما الوقت فإن الجمهور على أنه لا يقام في الحر الشديدة ولا في البرد» [2] .
-ويتغير الحكم أيضا لاختلاف البيئة بداوة و حضرا كمسألة الدية، فإنه على الجاني من أهل البادية فدية الحر المسلم مئة من الإبل، و إن كان من أهل الذهب كالشامي والمصري ... ألف دينار، و بعدها أخذ العلماء يفترضون في حالة ما إذا كان الجاني من أهل البقر و غيرها، فإنه يكلف بما يجب على أقرب المواضع على الظاهر عند بعض العلماء [3] ؛ أما في مسألة الضيافة فيقول سحنون إنها: «على أهل البوادي واجبة؛ لأن المسافر قد يجد في الفنادق ومواضع النزول وما يشترى من الأسواق مالا يجده في البادية» [4] ، و إذا كان بين الضيف و المضيف مودة، فقد يستوي الحكم هنا [5] .
-والبعد الآخر الذي راعته الشريعة في تغير الأحكام هي الأعراف [6] والعادات: فإذا تغيّر مناط الحكم في العرف تغيّر الحكم الشرعي [7] تبعا، ومن أمثلة
(1) - العدوي، حاشية على شرح أبي الحسن للرسالة، بيروت، دار المعرفة، 2/ 303.
(2) - ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، بيروت، دار الفكر، 2/ 306.
(3) - انظر: ميّارة الفاسي، شرح تحفة الأحكام، بيروت، دار الفكر، 2/ 282 وما بعدها.
(4) - النووي، شرح الأربعين النووية، تعليق: محمد رشيد رضا، القاهرة، المركز السلفي للكتاب، ص 48.
(5) - القرافي، الذخيرة، 13/ 335، 336.
(6) - وضع العلماء شروطا للأخذ بالعرف ولم يتركوا الأمر مطلقا وهي باختصار: أن يكون العرف مطّردا أو غالبا في التعامل، و أن لا يكون مخالفا لأدلة الشرع، أن يكون العرف موجودًا عند إنشاء التصرف وأن لا يعارضه تصريح بخلافه، فإذا صرح المتعاقدان مثلا بما لا يدل على خلاف العرف صح ذلك. راجع: محمد مصطفى شلبي، المدخل في الفقه الإسلامي، ص 363.
(7) - قال الأغلالي في نظم هذه الحقيقة:
وكل ما يبني على العرف يدور ... ** ... معه وجودا وعدما دور البدور
فاحذر جمودك على ما في الكتب ... ** ... فيما جرى عرف به بل منه تب
وكل ما في الشرع فهو تابع ... ** ... إلى العوائد لها فجامع
فما اقتضته عادة تجددت ... ** ... تعين الحكم به إذا بدت
انظر: عمر بن عبد الكريم الجيدي، العمل و العرف في المذهب المالكي ص 146؛ و انظر: بدران أبو العينين بدران، الشريعة الإسلامية تاريخها و نظرية الملكية و العقود، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ص 277؛ إبراهيم عبد الرحمن إبراهيم، المدخل لدراسة الفقه= =الإسلامي تاريخه و نظرياته العامة، الأردن، مكتبة دار الثقافة، ط 1، 1999 م، ص 178، 179.