فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 364

المبحث السادس

مراعاة أعراف المستفتين و عاداتهم

يعد العرف من متعلّقات الأصول التي لها دور كبير في تحديد كثير من مفاهيم الألفاظ و معاني النصوص الشرعية.

و قد اهتمّ الشارع الحكيم بالعرف فجعل له اعتبارا في أمور كثيرة، كالأيمان، والمعاملات المالية، والأحوال الشخصية ... كما أخذ به الفقهاء وأولوه عناية فائقة في الأحكام.

والعرف عند الإمام الشاطبي ذو منزلة تشريعية عظيمة فهو يعتبره دليلا من جملة الأدلة وأصلا من أصول الشريعة بنى الله عليه الأحكام، وربط به الحلال والحرام و عليه تنبني معظم مسائل الشرع، وما جرى به العرف فهو بمثابة ما تمّ اشتراطه، ولشدة تمسّكه بحجية العرف واعتماده إياه جعله أحد القواعد الأساسية التي يعتمد عليها في فتاويه خاصة في نوازل الأيمان، فقد سُئل عن رجل حلف باللازمة أن لا يسكن موضعا سماه ما عاش، وشهدت عليه البيّنة بذلك ... [1] ، فأجاب: «كل من حلف على أن لا يسكن دارا ما عاش فإنه يحنث إن سكنها لحظة في عمره، هذا حكمه بحسب الظاهر و الله يتولى السرائر.

وأما حكم ما يلزمه في الحنث باللازمة، فإنه يلزمه مقتضى العرف فيما عندكم، فالطلاق الثلاث لازم عندنا، إذ قد صارت في بلدنا عرفا ظاهرا، فإن كان موضعكم كذلك فالثلاث لازمة، و إن كان غير ذلك فهو اللازم، هذا ما عندي في النازلة» [2] .

فالشاطبي احتكم إلى العرف فيما يلزم من حنث باللازمة [3] في يمينه، ومقتضى العرف في غرناطة يلزم على الحانث الطلاق الثلاث، فبيّن للمستفتي إن

(1) - الفتاوى، ص 135.

(2) - المصدر نفسه، ص 136.

(3) - من خلال سياق السؤال و الجواب تبين أن المراد باللازمة: هو من حلف بلزوم طلاق الثلاث عليه إن سكن موضعا معينا أو فعل أمرا ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت