المبحث الثامن
اعتبار مآلات الأفعال
من مظاهر اعتبار الشاطبي للمقاصد، أنه كان في فتاويه ينظر إلى مآلات الأفعال التي جعلها محل حكمه و فتواه، فهو قبل أن يُصدِر حكمه في النازلة ينظر إلى آثار ذلك الحكم، فإن كان محققا للمصلحة أمضاه و أجازه، و إن كان مؤديا إلى المفسدة مَنَعه و أبطله، لأنه يَعتبر أنّ من لم يراعِ ذلك، فهو قاصر عن درجة الاجتهاد، و يؤكد على هذا الأمر في الموافقات فيقول: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا , كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، و ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام، إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، [فيكون] مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصِد فيه، و قد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، و لكن له مآل على خلاف ذلك ... » [1] .
والأمر الذي جعل الإمام الشاطبي يُولي موضوع المآلات عناية خاصة هو إيمانه بدوره في المقاصد الشرعية؛ لذلك عدّ هذه المسألة أصلا معتبرا في الحكم على مشروعية أفعال المكلفين وفي مراعاة مصالحهم.
أما عن بناء سد الذارئع [2] عليه، فيقول في ذلك: «و هذا الأصل - النظر في مآلات الأفعال - ينبني عليه قواعد كثيرة، منها قاعدة الذرائع التي حكّمها مالك في
(1) - الموافقات، 4/ 140.
(2) - عرّفها ابن العربي بقوله: «كل عمل ظاهر الجواز يُتَوصل به إلى محظور» . أحكام القرآن، ت: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، ط 1، 2000، 2/ 264؛ وعرّفها ابن رشد بقوله: «هي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصّل بها إلى فعل المحظور» .المقدمات الممهدات، 2/ 524؛ وعرّفها الباجي: «بأنّها ما يتوصّل به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله» .الحدود في الأصول، ت: نزيه حماد، بيروت، مؤسسة الزغبي، ط 1، 1382 هـ، ص 6؛ وانظر: محمود حامد عثمان، قاعدة سد الذائع وأثرها في الفقه الإسلامي، القاهرة، دار الحديث، ط 1، 1996، ص 62.