المبحث الثاني
الإفتاء بمشهور المذهب المالكي
تميّز الإمام الشاطبي باختيار المشهور من روايات المذهب، و إعراضه عن الشاذ والضعيف؛ يقول في إحدى فتاويه: «وأنا لا أستحّل - إن شاء الله - في دين الله وأمانته أن أجد قولين في المذهب فأفتي بأحدهما على التخيير مع أني مقلّد بل أتحرّى ما هو المشهور والمعمول به، فإن أُشكِل عليّ المشهور ولم أر لأحد من الشيوخ في أحد القولين ترجيحا توقفت ... » [1] .
فهو يؤكّد أنه إذا أفتى أخذ بالقول المشهور تورّعا؛ لأنه يعتبر نفسه من المقلّدين، إذ يقول في فتوى أخرى: «مراعاة الأقوال الضعيفة أو غيرها شأن المجتهدين من الفقهاء، إذ مراعاة الخلاف إنما معناها مراعاة دليل المخالف، حسبما فسره لنا بعض شيوخنا المغاربة ومراعاة الدليل أو عدم مراعاته ليس إلينا - معشر المقلدين - فحسبنا فهم أقوال العلماء و الفتوى بالمشهور منها، و ليتنا ننجو - مع ذلك - رأسا برأس، لا لنا و لا علينا» [2] .
فمن خلال هذين النصين يتبيّن لنا موقف الشاطبي بوضوح فهو يرى: أنه إذا كان في المسألة قولان، وجب أن تكون الفتوى بالقول المشهور، ويذكر أنه ليس أول من قال بهذا؛ و إنما سبقه إلى ذلك كثير من العلماء الأجلاّء, ومنهم الإمام المازري، فقد نُقِل عنه - على إمامته - أنه كان لا يفتي بغير المشهور من مذهب مالك [3] ؛ حيث يقول: «ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قل بل كاد يُعدم، والتحفّظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدّعي العلم و يتجاسر على الفتوى فيه، فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لا تّسع الخرق على الراقع، و هتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها» [4] .
(1) - الفتاوى، ص 176.
(2) - المصدر نفسه، ص 119.
(3) - المصدر نفسه، ص 176.
(4) - الموافقات، 4/ 106؛ وانظر: تبصرة الحكام، 1/ 51.