الاستغلال [1] ، و غيرها من الأمثلة التي قرّرها الفقهاء وعلّلوا ذلك بفساد الزمان؛ لأن الفساد يرجع إلى فقدان الورع وضعف الوازع، لكن الحكم هنا يأتي إما بسبب المصلحة و إما سدا للذريعة وإما لتغير العلة و هي الأخلاق هنا.
-و يمكن أن تتغيّر الأحكام بتطور الزمان وسمو الأخلاق: ومثاله تسليم العقار المبيع إلى المشتري كان لا يتم إلا بتفريغ العقار و تسليمه فعلا إلى المشتري، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه، فإذا لم يتم هذا التسليم يبقى العقار معتبرًا في يد البائع فيكون هلاكه على ضمانه هو، وفقا للأحكام الفقهية العامة في ضمان المبيع قبل التسليم؛ ولكن بعد وجود الأحكام القانونية، التي تخضع العقود العقارية للتسجيل في السجل العقاري، استقرّ الاجتهاد القضائي أخيرا على اعتبار التسليم حاصلا بمجرّد تسجيل العقد في السجل العقاري، فمِن تاريخ التسجيل ينتقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري؛ إذ العبرة في الملكية العقارية قانونًا لقيود السجل العقاري لا للأيدي والتّصرفات [2] .
-وقد ذكر العلماء أمثلة أخرى عن تغير الأحكام بتغير ماهية الأشياء، و أحوال [3] الأشخاص ونياتهم، وغيرها من العوامل الموجِبة لتغيّر الحكم، وأرى أنها كثيرة جدا، مما يطول حصرها.
(1) - محمد زكرياء البرديسي، الحكم الإسلامي فيما لا نص فيه، الجمهورية العربية المتحدة، ص 83، 84.
(2) - المدخل الفقهي العام، 2/ 954.
(3) - و مثاله ما جاء في تبصرة ابن فرحون: من أن التعازير دون الحدود تكون بحسب الجاني و المجني عليه، و مقدار الجناية التي فيها التعزير، فإذا كانت الجناية من ذي الشر"ضد رفيع القدر"كان التأديب شديدا، و إن كانت الجناية من رفيع القدر"ضد ذي الشر"كان التأديب أخف لمِا رُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم إلاّ الحدود» .رواه أبو داود في سننه، ح: 4375، (4/ 133) . فإذا تقرّر أن فاعل ذلك يؤَدب؛ فإن كان رفيع القدر فإنه يخفف أدبه و يتجافى عنه، وكذلك من صدر منه ذلك على وجه الفلتة؛ لأن القصد بالتعزير الزجر عن العودة. وكذلك ذوو الهيئات و المراد بذوي الهيئات: من كان من أهل القرآن و العلم و الأخلاق الإسلامية لا المال و الجاه، والمراد بالدناءة: الجهل، فمن كان من أهل الشر كان تأديبه أشد لينزجر هو وغيره، فالحالة المراعاة في الأشخاص هي حالة التقوى؛ لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} (الحجرات: من الآية 13) ، وذهب الإمام الشاطبي إلى ضرورة مراعاة أحوال الأشخاص و ذكر: أنه ثبت في الشرع إقالة الهيئات في الزلات، و أنه لا يعاملون بسببها معاملة غيرهم، واستدل بالحديث الذي أورده ابن فرحون (تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة و الصلاح) ، و هناك دليل آخر ذكره ابن القيم يتمثل في عفو الرسول عن خالد بن الوليد يوم قتل رجلا من بني حذيفة مع أن الرسول تبرأ من صنيعه قائلا: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» ؛ لكن لم يؤاخذه لحسن بلائه و نصره للإسلام. راجع: إعلام الموقعين، مصر، مطبعة السعادة، ط: 1973، 3/ 19؛ تبصرة ابن فرحون بهامش فتاوى عليش، مصر، مطبعة مصطفى الحلبي، ط:1958، 2/ 305؛ الموافقات، 1/ 171، 172 (ط: دار المعرفة) .