فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 364

وللوقوف على ذلك ارتأيت أن أكتب في هذا الموضوع محاولة الوصول إلى الأهداف الآتية:

إن الفتاوى - وبخاصة من جانبها الفقهي- جديرة بالانكباب عليها، والعناية بما ورد فيها؛ لأنها تميزت بطابع خاص وهي متنوعة بحسب الوقائع المستجدة، كما أنها تُعد أحكامًا اجتهاديةً جاءت وليدة الحاجات والظروف الزمانية والمكانية، بعيدةً عن التوغّل في التفريع والافتراض حيث ربطت بين الفقه وأصوله، وبين الحكم وتطبيقه، فكانت دليلا على سعة التشريع وصلاحيته في سياسة الناس وحل الأزمات المستعصية، وتعتبر فتاوى الإمام الشاطبي منها، فهي أثر علمي وسجل ناطق بآرائه، ومذهبه الفقهي ومنهجه التطبيقي، ووثيقة تاريخية تكشف عن ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضا التي عايشها الشاطبي، هذا الإمام الذي وصف بأنه علامة محقق، حافظ مجتهد جليل، وقد كان أصوليا مفسرا، فقيها محدثا، لغويا بيانيا نظارا، ورعا صالحا، بحّاثا مدققا جدليا بارعا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات وأكابر الأئمة المتفننين الثقاة، له الإمامة العظمى في الفنون فقها وأصولا وتفسيرا ... وعلى قدم راسخ من الصلاح والعفة والتحري فهو يعد من كبار العلماء الذين دعوا إلى التجديد والاجتهاد؛ لاستيعاب تطورات الحياة، كما دعا إلى نبذ التقليد والتعصّب. وبهذا ذاع صيته بين طلبته وكثير من معاصريه الذين أعجبوا بآرائه وتأثروا بها، ثم بعد ذلك ذاع بين العلماء عبر العصور الموالية لوفاته.

فنظرا للمكانة العلمية السامية التي حظي بها الشاطبي، رغبت في خدمة هذا الإمام الجليل بإبراز جانب مهم من جوانب منهجيته العلمية في الإفتاء واهتمامه بالفتوى، وهي محاولة - مني- هادفة لإظهار فضل هذا العالم ومزيته في الفقه المالكي بصفة خاصة والفقه الإسلامي بصفة عامة.

كما أن فتاويه كانت ذاتَ طابعٍ جديدٍ، فهي - في الغالب - متصلةٌ بحياة الناس، وقلَّ منها ما هو نظري؛ إذْ كانت إجاباتٍ عن أسئلة صورت الواقع الأندلسي بكل ملابساته وتناقضاته، بالإضافة إلى هذا فإن دراسة مثل هذه الفتاوى تؤكد مدى سعة الفقه الإسلامي وخصوبته، وصلاحيته لبعدي الزمان والمكان، فهذا تشجيع لفتح باب الاجتهاد، والابتعاد عن الجمود الفكري الذي أصاب الأمة منذ قرون خلت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت