من مميزات الفتوى في الأندلس معايشتها للقضايا الاجتماعية والسياسية، وارتباطها الوثيق بالواقع، فقد حاول الفقهاء إيجاد حلول عملية دقيقة في كثير من القضايا التي كانت تفرضها الحياة اليومية؛ وذلك يرجع إلى منهج الإمام مالك، إذ حرص على الابتعاد عن كل ما فيه تجريد وتعقيد ذهني مما ليس تحته عمل، يقول الإمام: «الكلام في الدين [1] أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه نحو الكلام في رأي جهم [2] والقدر [3] ، وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلاّ في ما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله عز وجل فالسكوت أحب إليَّ؛ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في دين الله إلا في ما تحته عمل» [4] .
وقد علق ابن عبد البر على كلام مالك بقوله: «والذي قاله مالك - رحمه الله - عليه جماعة الفقهاء والعلماء قديمًا وحديثًا من أهل الحديث والفتوى ... وأما الجماعة فعلى ما قال مالك - رحمه الله - إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه
(1) - قال ابن عبد البر في توضيح قول مالك: «"الكلام في الدين"نحو: القول في أسماء الله وصفاته، وضرب مثلًا فقال: نحو قول جهم والقدر» . انظر: جامع بيان العلم وفضله، 2/ 116.
(2) - هو جهم بن صفوان السمرقندي أبو محرز، (ت 128 هـ) ، تتلمذ على الجعد بن درهم، وكان من أوائل علماء الكلام، وله أتباع سموا بالجهمية، ومن آرائهم أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله. انظر: ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ت: محمد إبراهيم نصر، عبد الرحمن عميرة، السعودية، مكتبات عكاظ، ط: 1، 1982، 3/ 33؛ وإسماعيل العربي، معجم الفرق والمذاهب الإسلامية، المغرب، دار الآفاق الجديدة، ط: 1، 1993، ص 122.
(3) - القدرية: ويسمون المعتزلة وأصحاب العدل والتوحيد. قالوا: إن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها. وليس الله خالقًا لأفعالهم. انظر: الشهرستاني، موسوعة الملل والنحل، بيروت، مؤسسة ناصر للثقافة، ط:1، 1981، ص 21؛ وعبد المنعم الحفني، موسوعة الفرق والجماعات، مكتبة مدبولي، ط: 2، 1999، ص 516.
(4) - جامع بيان العلم وفضله، 2/ 116.