فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 364

السكوت إذا طمع بردّ الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه أو خشي ضلال عامة أو نحو هذا» [1] .

فقد كرَّه الإمام مالك الكلام فيما ليس تحته عمل؛ إلاّ أنه قد اضطر للكلام في بعض مسائل الاعتقاد [2] ، لمصلحة اقتضت بيان قضية مهمة كقوله: «من قال القرآن مخلوق يوجع ضربًا ويحبس حتى يتوب» [3] ؛ لذلك حسم كل قضايا الاعتقاد بالاستناد المباشر إلى النص، موفرًا جهده للفقه الواقعي العملي.

ومن خلال ما سبق يمكن إيجاد تفسير لقلة مسائل الكلام في المدرسة الأندلسية؛ فالمتتبع لفتاوى فقهائها في هذه المسائل يجدها قليلة بل تكاد تكون نادرة [4] ، مما جعل الأندلس خالية من الصراعات المذهبية والكلامية التي كانت مشتعلة بالمشرق.

(1) - المصدر نفسه.

(2) - راجع: المدارك، 1/ 170 وما بعدها.

(3) - ابن عبد البر، الانتقاء، بيروت، دار الكتب العلمية، ص 35.

(4) - إن أهل الأندلس لم يخوضوا في علم الكلام وندرت فتاويهم فيه إلاّ ما أثر عن بعض الأعلام كالإمام ابن لب الذي تكلم عن القضاء والقدر لضرورة دفع شبهة يهودي تحيَّر في هذه المسألة سائلًا:

أيا علماء الدين ذميّ دينكم ... # ... تحير دلوه بأوضح حجة

إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... # ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي؟

فأجابه ابن لب في نظم طويل ثم شرحه مستدلًا بآيات قرآنية، وأوله:

ألا أيها الأعمى المحيَّر لبه ... # ... تخيَّل أوهاما بغير تثبت

تعديت طورًا حطَّ طورك دونه ... # ... ورمت مرامًا أنت عنه بعزلة

وكذلك رسالة الباجي التي رد فيها على الراهب الفرنسي الذي دعا فيها الأمير المقتدر بالله بأن يرجع إلى المسيحية ويؤمن بالمسيح يسوع، واعتمد في ذلك على أدلة ليثبت أن المسيحية هي الدين الحق فرد عليه الباجي في رسالة طويلة أدحض فيها كل حجج هذا الراهب وأثبت لله وحدانيته بأسلوب منطقي رائع يدل على تمكن الباجي في علم مقارنة الأديان، ثم دعاه إلى الإسلام. انظر: عبد المجيد التركي، قضايا ثقافية من تاريخ الغرب الإسلامي، ص 25 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت