وابتعد المفتون في الأندلس عن الافتراضات والتقديرات، بل كانوا لا يفتون إلا فيما وقع ثقةً منهم بأن الله تعالى يوفقهم للجواب عند نزول الحادثة اقتداء بإمام مذهبهم، إذْ كان لا يجيب إلا فيما يقع. [1]
لذلك، كانت الفتاوى مرتبطةً بالواقع ارتباطًا وثيقًا تجيب عن قضايا الإنسان الأندلسي - سواء كان رجلًا أو امرأةً - في معتقداته وسلوكه ومعاملاته مع أسرته ومجتمعه.
لذا لا عجب من تمسك أهل الأندلس الشديد بمذهب مالك، فقد أثبت المذهب قدرته على التكيف مع الأحوال المتغيرة بالأندلس لإحداثه مناهج في التعامل مع النص مكَّنته من معالجة المشاكل الناتجة عن الظروف الاجتماعية والسياسية المستجدة ولمراعاته أعراف الناس ومصالحهم، وتلبيته حاجاتهم سواء كانت ضرورية أو حاجية أو تحسينية، مما جعل مذهب مالك مرنا يتصف بواقعية أكثر ومرونة أوسع ساهمت في بقائه قويا وحيويا.
فأغلب القوانين العربية اليوم استفادت منه في تشريعاتها المدنية؛ فأخذ عنه القانون المصري و «اقتبس منه العنصر الجوهري في الإصلاح في القانون ... رقم 25 لسنة 1929، وقوانين المواريث والوقف والوصايا» [2] .
(1) - أبو زهرة، مالك، ص 46.
(2) - أبو زهرة، مالك، ص 366.