فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 364

إن المولى عز وجل أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم حجة على خلقه بأن أحكامه تعالى قد بلغتهم فعرفوها؛ يقول عز وجل: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [1] .

ولا يتم ذلك إلا بالبلاغ، والمبلّغ هو الرسول صلى الله عليه وسلم - في حياته وحضوره -، والقائمون مقامه من أهل العلم - في غيبته وبعد وفاته -؛ لذلك ألزم الله سبحانه من لا يعلم أحكامه أن يسأل عنها ويتعلمها ليعمل بها بقوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون َ} [2] .

كما أوجب على أهل العلم أن يبيِّنوا ما عندهم من العلم، ويعلّموه للناس بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [3] .

و في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» [4] .

و بهذا يلتقي الطرفان على معرفة أحكام الله في أفعال العباد فتقوم الحجة، و عليه تكون إجابة السائل عن حكم الله سواء كان في واقعة أم في غيرها واجبا على الجملة، لذلك كان المفتي خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في الإفتاء؛ لأنه يبيّن للمستفتي ما فهمه من النصوص التي جعلها الله أدلة عليه، لمن لا يستطيع فهمه منها مباشرة، كما أن عمله لا يقتصر على مجرد نقل معاني النصوص وإنما يتجاوزها، فينظر في حال المستفتي و صورة النازلة، فيعرف الحكم عند تحقيق

(1) - الأنفال: 42.

(2) - النحل: 43.

(3) - آل عمران: 187.

(4) - أخرجه أحمد في مسنده، كتاب: الجهاد، باب: الترغيب في الجهاد وفضل الشهادة. (ط: بيروت، دار الفكر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت